جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

مفارقة الرقابة والغياب.. حين تضيع الثروة بين صمت البرلمان واكتواء المواطن

بقلم المصطفى بلقطيبية

0 519

 

تستعد الساحة السياسية لخوض استحقاقات انتخابية جديدة، ومع كل موعد ينساق فيه المشهد نحو صناديق الاقتراع، تطفو على السطح ذات الأسئلة الحارقة التي تؤرق بال المواطن وتعمق فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات المنتخبة. المشهد يكاد يكون مكرراً بحذافيره؛ وجوه أَلِفها الناس لعقود، وعائلات نافذة تتصارع على المقاعد والمسؤوليات، وشعارات رنانة أُطلقت في حملات سابقة وأعيد طبعها اليوم دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ خلال الخمس سنوات الماضية. هذا العبث السياسي يضع العملية الديمقراطية برمتها أمام مرآة الواقع الصريح، ليكشف عن حجم الفجوة المهولة بين الممارسة البرلمانية والهموم اليومية العميقة للمواطنين.

تتضاعف هذه المرارة حين يرى الشارع حجم التناقض بين التقارير التشخيصية الصارمة التي يصدرها المجلس الأعلى للحسابات وهيئات الحكامة، وبين الغياب التام للمحاسبة والأثر الميداني الملموس. يتابع المواطن صدور تقارير تكشف مكامن الخلل وسوء التدبير، لكنه يصطدم بواقع لا يتغير، وكأن تلك الملاحظات مجرد وثائق للاستهلاك الإعلامي. تتجلى هذه الأزمة يومياً في موجات الارتفاع المتوحش لأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، والقفزات الخيالية في أسعار المحروقات، وصولاً إلى استنزاف جيب الأسرة المغربية مع كل دخول مدرسي أمام تغول مؤسسات التعليم الخاص التي تفترض رسوماً وتكاليف دون رقيب أو سقف زجري يحد من جشعها.

إن الأزمة اليوم لا تتعلق بقلة الإمكانيات أو انعدام الموارد، بل في المفارقة العجيبة لدولة حباها الله بواجهتين بحريتين ممتدتين وشواطئ غنية بالثروات السمكية، وتحتضن أكبر احتياطي عالمي من الفوسفاط، وضُخت في قطاعها الفلاحي ميزانيات ضخمة عبر مخططات وأوراش استراتيجية. ومع ذلك، يجد المواطن نفسه مبرمجاً على شراء أسماك بلاده بأسعار باهظة، ومواجهة شح المواد الفلاحية والغلاء المعيشي، وسط تساؤلات مشروعة عن مصير هذه الخيرات وكيفية تدبيرها بعيداً عن أثرها المباشر على معيش اليومي.

وفي قلب هذا السخط الشعبي، يطرح السؤال نفسه بحدة: أين كان ممثلو الأمة طوال سنوات ولايتهم؟ لقد اختار النواب البرلمانيون الصمت والسبات العميق داخل قبة البرلمان، متخلين عن دورهم الدستوري الأصيل في مراقبة العمل الحكومي، ومساءلة الجهاز التنفيذي عن حماية القدرة الشرائية، والتصدّي للشبهات والتجاوزات. اختفى الترافع الحقيقي عن قضايا الشعب طيلة خمس سنوات كاملة، ليعود نفس الفاعلين اليوم، مع اقتراب موسم الاقتراع، مستيقظين من غفوتهم ومرددين نفس الأغنية السياسية بنفس النغمة المستهلكة، وكأن الذاكرة الجمعية للمواطنين سريعة النسيان.

إن هذا التكرار الشبه الميكانيكي للمشهد الانتخابي يرتبط بتركيبة البنية الحزبية نفسها، والتي أضحت تعتمد في هندسة قوائمها على “الأعيان” والشبكات العائلية والقدرة على التمويل، بدلاً من المراهنة على الكفاءة والبرامج الواقعية. هذا النهج أدى إلى إغلاق الأبواب في وجه الشباب والنخب الجديدة الراغبة في التغيير، وتهميش الطاقات الحية التي تُستغل فقط كواجهة للحملات وتأثيث المشهد. أمام هذا الانسداد، لم يعد التغيير ممكناً إلا بإصلاحات هيكلية صارمة تطال القوانين الانتخابية؛ عبر تسقيف الولايات البرلمانية لمنع احتكار المقاعد، ومنع الجمع بين المسؤوليات، وفرض الشفافية في التزكيات الحزبية، وربط المحاسبة بالأداء الفعلي، حتى لا تظل الانتخابات مجرد موعد لتجديد النفوذ بدلاً من كونها محطة حقيقية للمساءلة والتغيير.

بقلم المصطفى بلقطيبية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!