رحل عن دنيانا قامة علمية واجتماعية شامخة من قامات الصحراء المغربية، الشيخ لارباس ولد الشيخ محمد الأغظف ولد شيخنا الشيخ ماء العينين، إلى جوار ربه، ليتوشح الوطن وحاضرة الأقاليم الجنوبية بالسواد حزناً على انطفاء سراج من أسرجة العلم والورع والوجاهة التي أضاءت جغرافيا المجد والرباط عقوداً طويلة. رحل الفقيد بعد مسيرة حافلة بجهاد الكلمة والموقف؛ كيف لا وهو ينحدر من بيت علم وتصوف وجسارة، نجل الشيخ محمد الأغظف الذي شغل منصب الصدر الأعظم بالمنطقة الخلفية وكان نائباً للسلطان مولاي الحسن بن المهدي. لم يكن الشيخ لارباس مجرد امتداد لهذا النسب الشريف، بل صاغ بجهده ومساره الميداني تجربة نضالية وفكرية فريدة؛ فكان من أعيان المقاومين الذين ذاقوا مرارة السجن والتنكيل على يد المستعمر الإسباني بالعيون والداخلة وفيرتا فينتورا، قبل أن يُطلق سراحه بمفاوضات تاريخية أجراها جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه. توج الراحل نضاله بتكوين أكاديمي وقضائي رفيع حاز فيه الإجازة في الحقوق والشريعة وتخرج من دار الحديث الحسنية، ليكون أهلًا للثقة المولوية التي أولاه إياها جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه بتعيينه رئيساً للمجلس العلمي للإقاليم الجنوبية غداة استرجاعها، وهي الثقة التي جددها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، ليتولى الراحل مقاليد التأطير الديني والأمن الروحي بالمنطقة بكل اقتدار وحكمة. ولم يقتصر عطاء الفقيد على العمل الميداني والتأطيري فحسب، بل كان رقماً صعباً في المشهد الفكري والديني؛ حيث شارك في العديد من المناظرات والندوات الوطنية والدولية، والتي كانت جلها تصب في بيان مركزية إمارة المؤمنين والشرعية الدينية والتاريخية للمملكة، مبرزاً أبعادها الروحية والوطنية في صيانة وحدة الأمة. وعبر مؤسسة المجلس العلمي بالعيون، كرس نموذجاً دعوياً وسطياً قائماً على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني، ممتداً ببرامجه التنويرية إلى المساجد، والمؤسسات التعليمية، والأندية النسوية والرياضية، والثكنات، والإعلام الجهوي، حريصاً على خدمة الطلبة والباحثين وصيانة التلاحم المتين بين العرش والشعب. وعلى المستوى الإنساني، كان بيته العامر -الذي حظينا بشرف استضافته لنا فيه- حصناً من حصون الأصالة والحفاوة والتواضع؛ قصده القاصدون لإصلاح ذات البين ولين الجانب وسعة الصدر. إن رحيل الشيخ لارباس خسارة كبيرة للوطن، غير أن أثره الباقي في النفوس ومسيرته الذهبية ستظل حية في الذاكرة الوطنية. تغمد الله الفقيد بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.