من السهل جداً أن يقف المرء أمام مرآة الواقع ويدعي التجاهل، ولكن حين يتحول التعليم إلى سلعة تجارية تباع وتشترى على أرصفة الاستثمار العقاري والأكاديمي، ينبغي أن يتوقف الصمت وتبدأ المكاشفة الحقيقية. إن الرقم الذي نسمعه اليوم لتدريس طالب في سنة جامعية واحدة، والذي يبلغ مائة وعشرين ألف درهم في مؤسسة تقبع في ذيل القوائم العالمية لما بعد المرتبة الثلاثة آلاف، ليس مجرد قسط دراسي عادي، بل هو وثيقة اتهام صريحة تعكس أزمة بنيوية أخلاقية واقتصادية تعصف بفكرة المعرفة ذاتها. كيف تحولت الجامعة من صرح لبناء الفكر وصناعة الكفاءات وتطوير البحث العلمي إلى مجرد متجر فاخر يبيع الأوهام للأسر بأسعار خيالية؟
إن الصورة البراقة التي تسوقها هذه المؤسسات عبر الحملات الإعلانية المضللة والواجهات الزجاجية والمباني المكيفة، تخفي خلفها حقيقة مؤلمة وهي أن الطالب لا يدفع مقابل الحصول على علم متطور أو زاد أكاديمي يضاهي المؤسسات المرموقة، بل يدفع ضريبة الهروب من هشاشة التعليم العمومي ومحدودية مقاعده. إنه يدفع مقابل اسم رنان وشهادة أنيقة ومرافق استعراضية الهدف الأول منها إقناع أولياء الأمور بأن أموالهم تذهب في المكان الصحيح، بينما الحقيقة النفعية تشير إلى أن المنظومة برمتها تعتمد على منطق الربح السريع وتقليل التكاليف البحثية والأكاديمية للحد الأقصى.
إن التصنيف العالمي للجامعات، رغم كل الملاحظات عليه، ليس مجرد أرقام عابرة أو رفاهية أكاديمية، بل هو مرآة تعكس حجم الأبحاث العلمية المنشورة، ومستوى الابتكار، وكفاءة الهيئة التدريسية، ومدى تأثير هذه المؤسسة في مجتمع المعرفة الإنساني. وحين تكون الجامعة متراجعة إلى هذا الحد المخيف عالمياً، فإن ذلك يعني بوضوح أنها لا تقدم أي قيمة مضافة للمعرفة، وأن كل ما تفعله هو إعادة تدوير المقررات القديمة وإعطاء دروس تلقينية لا تختلف في جوهرها عما يقدم في أحقر القاعات الدراسية، ولكن بأسعار مضاعفة عشرات المرات.
إن الجرأة تقتضي أن نسمي الأشياء بمسمياتها؛ نحن أمام عملية استغلال صريح لحاجة العائلات للضمان الاجتماعي والمهني لأبنائها، حيث يستغل هذا القطاع خوف الآباء على مستقبل أبنائهم ليفرض أسعاراً خيالية لا تخضع لأي مراقبة سقفية أو ضبط قانوني من طرف الجهات الوصية التي تقف غالباً موقف المتفرج تحت شعار حرية المبادرة والاستثمار.
أين هي الحكامة وأين هو ربط المسؤولية بالمحاسبة حين يطالب استثمار خاص بأموال طائلة تحت مسمى التعليم دون أن يقدم للبلاد قيمة أبحاث علمية واحدة تصنع فارقاً اقتصادياً أو صحياً أو تقنياً؟ إن المنطق المالي السائد في هذه الجامعات ينظر إلى الطالب كزبون دائم يجب الحفاظ على تدفقه النقدي، وينظر إلى الأستاذ كعامل مياوم يُثقل كاهل الميزانية إن هو طالب بمستحقات تشجع على البحث والابتكار، مما ينتج بيئة قائمة على المظاهر والسطحية وتضخيم النقط لمنع تسرب “الزبناء”، وهو ما يؤدي في النهاية إلى ضخ خريجين يحملون شهادات ذات غلاف مالي باهظ وحمولة معرفية خاوية تظهر عوراتها عند أول اختبار حقيقي في سوق العمل. لا يمكن القبول بوجود منظومة تجعل التعليم الفائق والراقي مقترناً فقط بمدى قدرة الفرد على الدفع، وفي نفس الوقت تفشل حتى في تحقيق الجودة التي تدعيها بالمقارنة مع معايير الجودة الدولية.
إن المسألة لا تتوقف عند حدود الصفقة المالية بين ولي الأمر والجامعة، بل تمتد لتكون جريمة في حق العقل والوطن، لأن تسليع المعرفة وتحويلها إلى أداة لامتصاص دماء الطبقات التائقة للارتقاء الاجتماعي دون تقديم جودة حقيقية يفرغ مفهوم التعليم من جوهره النبيل ويحول الشهادات الجامعية إلى مجرد إيصالات سداد مالي لا تسمن ولا تغني من جوع علمي. حان الوقت لكسر هذا الصمت وإعادة النظر في منظومة الترخيص والرقابة على هذه المؤسسات، وفرض معايير جودة صارمة تربط القيمة المالية للقسط الدراسي بالمنتج الأكاديمي الحقيقي والترتيب العلمي الفعلي، كي لا تظل المعرفة مجرد تجارة مربحة تدار في صالونات الاستثمار على حساب مستقبليات الأجيال وطموحات الأسر. إنها حقا جريمة في حق التعليم العالي..