جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

مطبعة صونير… ذاكرة التعايش وأيقونة الطباعة المغربية..في خبر كان

0 211

عند أبواب مطبعة صونير، التي كانت يومًا ما أكبر مطبعة في إفريقيا، يقف التاريخ شاهدًا على مرحلة ذهبية من مسار المغرب الثقافي والإعلامي. هنا، كانت تُطبع الكتب المدرسية التي علّمت أجيالًا، والجريدة الرسمية التي وثّقت قرارات الدولة، والمجلات التي حملت صوت المغرب إلى العالم.
لكن ما يميز هذا الصرح ليس فقط آلاته العملاقة ولا إنتاجه الغزير، بل هو النسيج الإنساني الذي جمع بين جدرانه: مسلمون ويهود ونصارى، مغاربة وأجانب من إسبانيا وإيطاليا والجزائر، جميعهم اجتمعوا حول آلة الطباعة، يعملون كتفًا إلى كتف، في انسجامٍ يترجم روح التعايش التي ميّزت المغرب عبر العصور.

هؤلاء العمال البسطاء كانوا الأيادي التي صنعت الكلمة المطبوعة، وأخرجت إلى النور صحفًا مثل لافيجي ماروكان ولوبتي ماروكان، قبل أن تتحول إلى ماروك سوار ولوماتان. بعضهم غادر إلى دار البقاء، تاركًا بصمته في ذاكرة الوطن، والبعض الآخر ما زال حيًّا بيننا، ينتظر اعترافًا بجميله وتقديرًا لعطائه.

واليوم، تقف الصور المرفقة شاهدةً على تلك المرحلة:

صورة الباب والواجهة التي تحمل آثار الزمن، رمزًا لصرحٍ كان قلب الطباعة المغربية.

صور العمال والرواد الذين جسّدوا البطولة اليومية، بعضهم غادر إلى دار البقاء، والبعض الآخر ما زال حيًّا بيننا، ينتظر اعترافًا بجميله وتقديرًا لعطائه.

صور جماعية تُظهر روح التعايش بين مختلف الديانات والجنسيات، في لحظة إنسانية خالدة.

وأخيرًا، صورة الصفحة الأخيرة من جريدة La Vigie Marocaine بتاريخ 31 أكتوبر 1971، التي حملت عنوانًا مؤثرًا: “وداعًا لقرّائنا 1908–1971 – 63 سنة من الصحافة في المغرب”، حيث أعلنت هيئة التحرير توقف الجريدة بعد ثلاثة وستين عامًا من العطاء، شاكرةً قرّاءها ومؤكدةً اعتزازها بالدور الذي أدّته في خدمة الصحافة المغربية.

إننا، ونحن نرى أبواب المطبعة تصدأ وجدرانها تتآكل، نرفع نداءً رسميًا صادقًا إلى السلطات العمومية، وإلى الفاعلين المدنيين والثقافيين: أنقذوا مطبعة صونير من الخراب، وحوّلوها إلى متحف للآلات والطباعة والورق أيام زمان. إن هذا المشروع ليس مجرد عمل معماري، بل هو وفاء لذاكرة وطنية، واعتراف ببطولة رجالٍ ونساءٍ جسّدوا التعايش بين الديانات والجنسيات، وجعلوا من الطباعة المغربية منارةً للعلم والمعرفة.

إنقاذ صونير هو مسؤولية جماعية، ثقافية وإنسانية، تستحق أن تتبناها المؤسسات الرسمية والمدنية، حتى لا تضيع صفحة مشرقة من تاريخنا، وحتى تبقى شاهدة على أن المغرب كان وما يزال أرضًا للتنوع، التعايش، والإبداع.

المصطفى  بلقطيبية // مقتطف من كتاب ” أنا والمسيرة الخصراء “

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!