جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

عواصف “الافتراضي” وصمود “الواقع”.. حكمة التريث في زمن الصخب..المغرب بلد التسامح والتعايش

0 45

بقلم:  المصطفى بلقطيبية

تمر بالأوطان والشعوب لحظات تشبه “العواصف الرملية”؛ يختلط فيها الحابل بالنابل، وتُحجب فيها الرؤية خلف غبار الإشاعات والترهات التي تنبت كالفطر في فضاءات التواصل الاجتماعي. وما رُوّج له مؤخراً حول “واقعة باب دكالة” بمراكش، ليس إلا نموذجاً من تلك الرياح العابرة التي تستهدف خرق سفينة التماسك الاجتماعي وإحداث انكسارات في جدار وعينا الوطني.
إن المتأمل الرزين في خلفيات ما يُنشر، يدرك جيداً أن الهدف ليس نقل الحقيقة، بل صناعة “البلبلة”. فبين فيديو مجتزأ وصورة منزوعة السياق، تحاول منصات “الإثارة” أن تجر المواطن إلى مستنقع الجدل العقيم، بينما الحقيقة تتجسد في روح مراكش التي كانت ولا تزال عاصمة للسلم والسلام. ففي قلب “جيليز”، يقف الكنيس مقابلاً للمسجد في مشهد حضاري مهيب، وفي ملاحها—كما في ملاحات باقي مدننا—تفوح رائحة التاريخ المشترك؛ وهو التعايش الذي تفتقر إليه اليوم كثير من الدول العربية والإسلامية، بينما يرفل فيه المغرب بفضل حكمة قيادته ورؤيتها المتبصرة.
وفي هذا السياق، نستحضر العناية الملكية السامية بهذا الموروث، خلال سنة 2016 حيث أعطى الملك محمد السادس، نصره الله، تعليماته للسلطات والهيئات المعنية من أجل إعادة الأسماء الأصلية لأزقة وساحات “حي السلام”، المسمى “الملاح” سابقا، بمدينة مراكش، محافظة على الذاكرة التاريخية لهذه الأماكن  ، فإن هذه التعليمات الملكية تأتي تبعا للزيارة التي قام بها جلالته إلى هذا الحي، وبطلب من رئيس الطائفة اليهودية لهذه المدينة وممثليها، لتظل مراكش في أبهى تجلياتها شاهدة على مغرب لا يفرق بين أبنائه.
لقد اخترنا في “أصداء مغربية” نهج “الصمت الحكيم” بينما كانت العاصفة في ذروتها، إيماناً منا بأن التروي هو ميزة العقل. فاليهود الذين قصدوا حائط باب دكالة، إنما جاؤوا من أجل “البركة” وشكر الله، والترحم على روح الملك المجاهد محمد الخامس طيب الله ثراه؛ ذلك الملك الذي كان سداً منيعاً ضد النازية حين طُلب منه تسليم اليهود، فقال كلمته الذهبية الخالدة: ““لا يوجد مواطنون يهود ومواطنون مسلمون بالمغرب، بل يوجد مغاربة”.
إننا اليوم، وبعد أن انقشع الغبار، نؤكد على ثوابت أساسية:
أولاً: أن المغرب أكبر من أن تهزه واقعة عابرة؛ فهو بلد التعايش الذي يحترم الرموز الروحية ويقدس الوحدة الوطنية.
ثانياً: أن الوعي الشعبي هو “صمام الأمان”؛ فالإنسان الواقعي لا ينجرف مع الرياح، بل يقف شامخاً ليحلل المشهد بعين البصيرة.
ثالثاً: أن المسؤولية الإعلامية تفرض علينا التصدي لكل محاولات زرع الانكسار بين أفراد الشعب الواحد.
إننا نؤمن بأن “الله قادر على كل شيء”، وهو الحفيظ لهذا البلد. وما هذه الافتتاحية إلا دعوة لكل قارئ لكي يمارس حقه في “التمييز”، فالحقيقة كالشمس تشرق لتكشف زيف الباطل، وسنظل في “أصداء مغربية” أوفياء للكلمة الهادفة التي تجمع ولا تفرق.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!