جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

“الوردة” تحت المجهر: قراءة في مسارات الزعامة، بصمة المرأة الاتحادية، وتحديات الدولة الاجتماعية

0 129

تعلن هيئة التحرير لـ “أصداء مغربية” لقرائها الأوفياء، مع قرب الاستحقاقات المقبلة أنها شرعت في نشر سلسلة مقالات تحليلية وتوثيقية تحت عنوان “زعماء تحت المجهر”. تهدف هذه السلسلة إلى تسليط الضوء على الأحزاب المغربية، مستحضرةً ظروف التأسيس والسياقات التاريخية التي أفرزته، وصولاً إلى السؤال الجوهري الذي يشغل بال المواطن: ماذا قدم هذا الزعيم وحزبه خلال تقلد المسؤولية الحكومية؟ إنها محاولة مهنية من “أصداء مغربية” لتقديم مادة إعلامية رصينة تجمع بين الخبر والتحليل، وتضع العمل الحزبي في ميزان المنجزات والواقعية السياسية، مع تأكيدنا التام على عدم الانحياز لأي طرف، واضعين الحقائق أمام القارئ والشباب بكل تجرد ليتضح لهم الخلل ومكامن ضعف التسيير والمشاكل بكل وضوح.

الحلقة الثانية // حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

يبرز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كأحد أهم الفاعلين في التاريخ السياسي المغربي الحديث، ليس فقط لأنه شكّل انشقاقاً عن حزب الاستقلال سنة 1959، بل لأنه مثّل منذ نشأته صوت المعارضة الجذرية، وحمل مشروعاً فكرياً واجتماعياً يسعى إلى بناء مغرب العدالة والحرية. لقد وُلد الحزب من رحم أزمة سياسية وتنظيمية داخل الحركة الوطنية، حين فشلت تجربة “الكتلة الوطنية” في الحفاظ على وحدة الصف، فكان أن اختار قادة بارزون من أمثال المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد تأسيس إطار جديد يعبّر عن تطلعات الشعب في التحرر والديمقراطية.
منذ بداياته، اتخذ الاتحاد الاشتراكي موقعه في الواجهة كحزب معارض قوي داخل البرلمان، حيث مثّل صوتاً صريحاً في مواجهة السياسات الرسمية، ودافع عن قضايا التعليم، العدالة الاجتماعية، والحقوق النقابية. تدخلاته البرلمانية كانت حادة ومباشرة، إذ طالب بتوسيع صلاحيات المؤسسة التشريعية، وفضح الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، مما جعله في كثير من الأحيان في مواجهة مفتوحة مع القصر. هذه العلاقة اتسمت بالتوتر في الستينات والسبعينات، خاصة بعد أحداث 1965 ومرحلة الاعتقالات والمحاكمات التي طالت قياداته، لكنها لم تمنع الحزب من الاستمرار في لعب دور المعارضة الوطنية.
شجرة القيادة داخل الاتحاد الاشتراكي تكشف عن أسماء صنعت تاريخ المغرب السياسي:
المهدي بن بركة، المفكر والمناضل الذي دفع حياته ثمناً لمواقفه الجذرية، وظل رمزاً عالمياً للنضال ضد الاستبداد.
عبد الرحيم بوعبيد، الذي قاد الحزب في أصعب المراحل، وواجه الاعتقال بسبب رفضه لمواقف رسمية تتعلق بالصحراء، وظل رمزاً للنزاهة والصلابة السياسية.
محمد اليازغي، الذي مثّل مرحلة الانفتاح التدريجي، وساهم في إدماج الحزب في المسلسل الديمقراطي.
عبد الرحمن اليوسفي، الذي قاد تجربة “التناوب التوافقي” سنة 1998، حيث تولى رئاسة الحكومة في لحظة تاريخية شكلت بداية انتقال سياسي جديد، وأثبت أن المعارضة يمكن أن تتحول إلى شريك في الحكم.
إدريس لشكر، الذي يقود الحزب اليوم في سياق مختلف، محاولاً إعادة بناء موقعه في مشهد سياسي تهيمن عليه التكنوقراطية والأحزاب الإدارية.

المراة الاتحادية

ولم يكن المسار الاتحادي حكراً على الرجال، بل كانت المرأة الاتحادية في كثير من المحطات قلب الحزب النابض وصوتاً جريئاً في الدفاع عن القيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. منذ البدايات، شاركت النساء الاتحاديات في المسيرات والوقفات وأسهمن في صياغة خطاب الحزب حول قضايا المساواة والحقوق، ففرضن حضورهن في المؤسسات التمثيلية والنقابية وأثبتن أن المشروع الاتحادي لا يكتمل إلا بمشاركتهن الفاعلة. ومن بين الأسماء التي صنعت بصمة واضحة في التاريخ السياسي المغربي نذكر رقية العبادي التي كانت من أوائل المناضلات الاتحاديات، ونزهة الصقلي التي تولت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن، وخديجة الرياضي التي ارتبط اسمها بالدفاع عن حقوق الإنسان، وسميرة القادري التي ساهمت في إشعاع الثقافة والفن الاتحادي، وحنان رحاب التي تمثل الجيل الجديد داخل البرلمان، إضافة إلى نعيمة شعيب المحامية والمستشارة القانونية التي جسدت صورة المرأة الاتحادية المثقفة والمناضلة، حيث جمعت بين محراب القانون وفضاء الدبلوماسية الموازية لتؤكد أن صوت المرأة الاتحادية يتجاوز حدود السياسة التقليدية ليصل إلى ساحات الدفاع عن الحقوق والكرامة الإنسانية. هؤلاء وغيرهن جسّدن صورة المرأة الاتحادية التي واجهت التحديات الاجتماعية والثقافية، وأثبتن أن النضال فعل جماعي تتقاسمه الأجيال والطاقات، لتظل المرأة الاتحادية ركيزة أساسية في مسيرة الحزب وذاكرته النضالية وعنواناً متجدداً لصوت المستقبل.

الحزب في البرلمان

فقد كان الاتحاد الاشتراكي مدرسة في المعارضة البرلمانية، حيث قدّم مقترحات قوانين مرتبطة بحقوق الإنسان، المساواة، والعدالة الاجتماعية. في الثمانينات والتسعينات، مثّل الحزب القوة المعارضة الرئيسية، قبل أن يدخل تجربة الحكم مع حكومة اليوسفي، حيث تحوّلت تدخلاته إلى دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية، مع التركيز على الانتقال الديمقراطي. بعد ذلك، عاد الحزب إلى المعارضة، منتقداً السياسات الحكومية، قبل أن يشارك مجدداً في حكومات لاحقة، لكن بوزن سياسي أقل مما كان عليه في مرحلة التناوب.

مرحلة المعارضة (الستينات–السبعينات): الحزب مثّل صوتاً قوياً ضد السياسات الرسمية، وركز على قضايا التعليم، العدالة الاجتماعية، والحقوق النقابية. تدخلاته البرلمانية كانت حادة ومباشرة، مطالبة بتوسيع صلاحيات البرلمان وتقليص هيمنة السلطة التنفيذية.
الثمانينات–التسعينات: الاتحاد الاشتراكي كان القوة المعارضة الرئيسية، حيث قدّم مقترحات قوانين مرتبطة بحقوق الإنسان والمساواة، وانتقد بشدة السياسات الاقتصادية المرتبطة بالتقويم الهيكلي.
مرحلة التناوب (1998–2002): مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي، تحوّلت تدخلات الحزب إلى دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية، مع التركيز على الانتقال الديمقراطي، تعزيز المؤسسات، ومحاربة الفساد.
ما بعد التناوب: الحزب واصل نشاطه البرلماني، لكن بوزن أقل، حيث ركّز على مراقبة السياسات الحكومية وانتقاد تدبير ملفات اجتماعية مثل الصحة والتعليم.
اليوم: الاتحاد الاشتراكي يملك حوالي 20 نائباً في مجلس النواب و24 مستشاراً في مجلس المستشارين، ويشارك في الحكومة بوزراء محدودين، مع تركيز على قضايا العدالة الاجتماعية والحداثة .

علاقة الحزب بالبلاط الملكي

علاقته بالقصر مرت بمراحل متباينة: من الصدام المباشر في الستينات والسبعينات، إلى التوافق في مرحلة التناوب، وصولاً إلى علاقة أكثر هدوءاً في المرحلة الراهنة، حيث يشارك الحزب في المؤسسات لكنه يواجه تحدياً وجودياً يتمثل في كيفية الحفاظ على روحه النضالية في زمن تغلب فيه الحسابات التقنية والفعالية الميدانية.
إن صمود الاتحاد الاشتراكي لأكثر من ستة عقود، رغم الانشقاقات الداخلية (مثل ظهور حزب المؤتمر الوطني الاتحادي والحزب الاشتراكي الموحد)، ورغم التحولات الاجتماعية والسياسية، يؤكد أننا أمام مؤسسة سياسية متجذرة في الذاكرة الوطنية. واليوم، وهو يضع نفسه تحت المجهر، يواجه الحزب سؤال المستقبل: كيف يمكن لحزب بهذا الإرث أن يستعيد موقعه كقوة اقتراحية كبرى، ويثبت أن الأفكار الاشتراكية الديمقراطية لا تموت، بل تتجدد بتجدد الأجيال. هكذا يظل الاتحاد الاشتراكي، رغم كل التحولات، عنواناً للنضال الديمقراطي وركيزة من ركائز المغرب الحديث.
حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لعب دوراً محورياً في البرلمان المغربي كقوة معارضة ثم كفاعل حكومي، حيث قدّم مقترحات مرتبطة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وكانت علاقته بالقصر متوترة في الستينات والسبعينات قبل أن تتحول إلى توافق في مرحلة التناوب التوافقي بقيادة عبد الرحمن اليوسفي.

مرحلة التوتر: منذ تأسيسه في 1959 كامتداد للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، دخل الحزب في مواجهة مفتوحة مع القصر، خصوصاً بعد أحداث 1965، حيث تعرض قادته للاعتقالات والمحاكمات، ومنهم عبد الرحيم بوعبيد الذي رفض مواقف رسمية تتعلق بالصحراء .
مرحلة الانفتاح: ابتداءً من الثمانينات، بدأ الحزب يشارك في الحوار السياسي، مقدماً مذكرات إصلاحية للقصر، مثل مذكرة الإصلاحات الدستورية سنة 1992، ومذكرات أخرى في التسعينات.
مرحلة التوافق: مع دستور 1996، دخل الحزب في توافق مع القصر، مما مهّد لتجربة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، حيث تولى رئاسة الحكومة في لحظة تاريخية شكلت بداية انتقال سياسي جديد .
اليوم: العلاقة بين الحزب والقصر أكثر هدوءاً، حيث يشارك الاتحاد الاشتراكي في الحكومة بشكل محدود، لكنه يواجه تحدياً وجودياً يتمثل في الحفاظ على روحه النضالية في زمن تغلب فيه التكنوقراطية.

أما برنامجه المقبل، فيرتكز على ثلاثية واضحة:

– **تعزيز الدولة الاجتماعية** : عبر سياسات جديدة في التعليم والصحة والسكن، لضمان العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق.

– **الإصلاحات الدستورية والسياسية** : التي تهدف إلى توسيع صلاحيات البرلمان وتعزيز المشاركة الديمقراطية.
– **إدماج الشباب والنساء** : في الحياة السياسية، باعتبارهم ركيزة المستقبل وضمانة لتجدد المشروع الاتحادي.
إن صمود الاتحاد الاشتراكي لأكثر من ستة عقود، رغم الانشقاقات الداخلية والتحولات الاجتماعية والسياسية، يؤكد أننا أمام مؤسسة سياسية متجذرة في الذاكرة الوطنية. واليوم، وهو يضع نفسه تحت المجهر، يواجه الحزب سؤال المستقبل: كيف يمكن لحزب بهذا الإرث أن يستعيد موقعه كقوة اقتراحية كبرى، ويثبت أن الأفكار الاشتراكية الديمقراطية لا تموت، بل تتجدد بتجدد الأجيال. هكذا يظل الاتحاد الاشتراكي، رغم كل التحولات، عنواناً للنضال الديمقراطي وركيزة من ركائز المغرب الحديث.

الاتحاد الاشتراكي ظل مدرسة في المعارضة البرلمانية، ثم تحول إلى شريك في الحكم عبر تجربة التناوب، ليبرهن أن المعارضة يمكن أن تتحول إلى قوة اقتراحية. علاقته بالقصر مرت من الصدام إلى التوافق، واليوم يواجه الحزب تحدي استعادة وزنه التاريخي في مشهد سياسي جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!