نادرون هم الخبراء الذين يستطيعون تحويل الشغف المبكر بقضايا الأمن والاستقرار إلى مسار مهني استثنائي عابر للحدود، تتقاطع فيه التحديات الميدانية بالتحليلات الاستخباراتية الدقيقة والدبلوماسية الرفيعة؛ وفي طليعة هذه الكفاءات الاستثنائية يبرز اسم الخبير الأمني والدبلوماسي المغربي الحسين كوغروض. لم يكن مسار هذا الإطار الوطني مجرد تدرج وظيفي عابر، بل شكل “وثبة كبرى” انطلقت شرارتها الأولى من حواضر المغرب، وتحديداً من مدينة أكادير، حيث بدأت تتشكل ملامح وعيه الأمني خلال سنوات الدراسة من خلال ولع أصيل بمتابعة التحولات السياسية والجريمة المنظمة العابرة للقارات، وهي التطلعات التي سرعان ما تحولت إلى قناعة راسخة بأن الأمن رسالة إنسانية نبيلة ومسؤولية مشتركة تتجاوز الأبعاد المحلية، مما دفعه لخوض غمار تجربة دولية ملهمة قادته إلى أروقة واحدة من أعرق المؤسسات الشرطية في العالم.
وشكل التحاق كوغروض بشرطة العاصمة البريطانية “سكوتلانديارد” نقطة تحول مفصلية صقلت خبراته الميدانية؛ إذ تدرج داخل هذا الجهاز العريق في مهام عملياتية متعددة وضابطاً بمراكز الشرطة، قبل أن يلتحق بقيادة مكافحة الإرهاب البريطانية (SO15) التي تعد واحدة من أكثر الوحدات الأمنية تطوراً في أوروبا. ولم يكن العمل داخل هذه القلعة الأمنية مجرد ممارسة مهنية نمطية، بل كان مدرسة حقيقية فتحت أمامه آفاق التكوين التخصصي في أحدث تقنيات التحليل الاستخباراتي، وإدارة الملفات الجنائية المعقدة، والتعامل مع قواعد بيانات الشرطة الوطنية البريطانية؛ وهي تجربة يصفها كوغروض بأنها الأكثر تأثيراً في حياته، حيث رسخت لديه قناعة حتمية بأن الحرب على الإرهاب لا تحسم بالمواجهات الميدانية فحسب, وإنما بالتحليل الاستباقي والتعاون الدولي الوثيق وتبادل المعلومات بين الأجهزة.
هذا التميز العملياتي والالتزام المهني توج بتقدير رفيع من كبريات المؤسسات؛ حيث حصد كوغروض شهادة أفضل ضابط شرطة من لندن، وميدالية الشرطة من رئيس الوزراء البريطاني، وجائزة التميز الإنساني، وصولاً إلى نيله في نونبر 2024 لقب الفروسية برتبة “قائد فارس/الصليب الأكبر من فرسان بلجيكا (TME 1954)” تحت رعاية عائلات ملكية، تقديراً لإسهاماته في الأمن الدولي. وفتح هذا التقدير الباب أمام تحول مهني جديد نحو الدبلوماسية الأمنية؛ حيث يشغل حالياً منصب سفير ودبلوماسي لدى المنظمة الحكومية الدولية التابعة للجنة الأمم المتحدة للأمن القومي (UNASDG) مكلفاً بإدارة التعاون الشرطي الدولي، وسفيراً لبعثة السلام والازدهار الدبلوماسية (DMPP) في مناطق تشمل المملكة المتحدة وأوروبا والبلقان وآسيا وإفريقيا، إلى جانب تعيينه سفيراً للمنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح، والتي خصته بتكريم رفيع بمنحه “درع المواطنة” اعترافاً بجهوده المتميزة وتجسيده لقيم المواطنة الإيجابية في أبهى صورها على الصعيد الدولي، معززاً هذا الحضور الوازن بعضويات تنفيذية ومهنية في الرابطة الدولية للشرطة (IPA)، والرابطة الدولية لقادة الشرطة (IACP)، وجمعية تطوير القيادات التنفيذية التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI-LEEDA).
ورغم هذا المسار الدولي الحافل وتعدد المسؤوليات الإقليمية، ظل ارتباط الحسين كوغروض بوطنه الأم المغرب ثابتاً وراسخاً، يعكسه اعتزازه الدائم بالتطور النوعي الذي حققته المملكة في مجالات الأمن ومكافحة الفكر المتطرف. ويرى كوغروض أن التجربة الأمنية المغربية أضحت نموذجاً ملهماً يحظى باعتراف واحترام دوليين بفضل اعتمادها على المقاربة الاستباقية والتنسيق المحكم بين مختلف الأجهزة السيادية، وهو ما تجسد بوضوح في قدرة المملكة على إحباط المخططات التخريبية واختيارها المستحق لاستضافة تظاهرات أمنية عالمية كبرى كمؤتمر “الإنتربول” في مراكش؛ ليقدم كوغروض من خلال مسيرته دليلاً ملموساً على أن نجاح العقيدة الأمنية الحديثة يكمن في بناء جسور الثقة، وتبادل الخبرات، والاستثمار في العنصر البشري، وهي المبادئ التي رافقته كفلسفة مهنية منذ بداياته الأولى في أكادير وحتى بلوغه قمم الهيئات الدبلوماسية والأمنية العالمية.