زعماء تحت المجهر // الحلقة الأولى // حزب الإستقلال
تعلن جريدة “أصداء مغربية” لقرائها الأوفياء، أنها ستشرع ابتداءً اليوم في نشر سلسلة مقالات تحليلية وتوثيقية تحت عنوان “زعماء تحت المجهر”. تهدف هذه السلسلة إلى تسليط الضوء على الشخصيات القيادية (الأمناء العامون والكتاب العامون) للأحزاب المغربية، من خلال قراءة متأنية في مساراتهم الأكاديمية ومستوياتهم الثقافية التي شكلت وعيهم السياسي.
كما ستغوص السلسلة في الذاكرة الحزبية لكل تنظيم، مستحضرةً ظروف التأسيس والسياقات التاريخية التي أفرزته، وصولاً إلى السؤال الجوهري الذي يشغل بال المواطن: ماذا قدم هذا الزعيم وحزبه خلال تقلد المسؤولية الحكومية؟ إنها محاولة مهنية من “أصداء مغربية” لتقديم مادة إعلامية رصينة تجمع بين الخبر والتحليل، وتضع العمل الحزبي في ميزان المنجزات والواقعية السياسية.
الحلقة الأولى // حزب الإستقلال
يعد حزب الاستقلال في المغرب ظاهرة سياسية فريدة، فهو لا يُصنف كحزب سياسي عابر بل ككيان مؤسس للهوية السياسية المغربية الحديثة، حيث ارتبط نشوؤه بلحظة تاريخية فارقة تمثلت في انتقال الوعي الوطني من طور المقاومة المسلحة في الجبال إلى طور النضال السياسي والدبلوماسي في المدن. هذا الحزب، الذي خرج من عباءة “كتلة العمل الوطني”، نجح في صياغة ميثاق وطني جامع تجسد في وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، وهي اللحظة التي أعلنت فيها النخبة المغربية قطيعة نهائية مع نظام الحماية وطالبت باستعادة السيادة الكاملة تحت قيادة العرش العلوي المجاهد، مما جعل الحزب يتحول إلى “مدرسة وطنية” تغلغلت في أوساط التجار، والعلماء، والعمال، والشباب.
لقد جسّد الحزب منذ البداية روح الإجماع الوطني، وأثبت أنّ قوته لم تكن في بنيته التنظيمية فحسب، بل في ترسانته الفكرية التي صاغها جيل من الرواد الذين زاوجوا بين الفقه الإسلامي والتنوير الحديث. وقدّم الحزب للعالم العربي والمغاربي نموذجاً فريداً من خلال نظرية “التعادلية” التي بلورها الزعيم علال الفاسي، وهي رؤية اقتصادية واجتماعية تبحث عن التوازن بين العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، بعيداً عن إفراط الرأسمالية وجمود الاشتراكية. هذا الفكر لم يبق حبيس الكتب، بل تحوّل إلى برامج سياسية واجتماعية أطّرت عمل الحزب في البرلمان والحكومات المتعاقبة.
وعند الحديث عن الزعماء الذين كانوا في الواجهة، فإننا نستحضر أسماء صنعت تاريخ المغرب الحديث: علال الفاسي، الزعيم المؤسس الذي جمع بين الفكر والنضال؛ أحمد بلافريج، رجل الدولة والدبلوماسية وأول رئيس حكومة للمغرب المستقل؛ محمد بوستة، الحكيم الذي قاد الحزب في مرحلة المسلسل الديمقراطي؛ عباس الفاسي، الذي أعاد الحزب إلى صدارة المشهد السياسي وقاد حكومة التناوب الثاني؛ حميد شباط، الذي مثّل مرحلة الخطاب الشعبي والصدام السياسي؛ وصولاً إلى نزار بركة، الذي أعاد للحزب هدوءه المؤسساتي ورصانته الأكاديمية، محاولاً التوفيق بين إرث الحزب ومتطلبات النموذج التنموي الجديد.
أما في البرلمان، فقد كان حزب الاستقلال فاعلاً أساسياً منذ أول تجربة دستورية سنة 1962، حيث قدّم مقترحات قوانين مرتبطة بالعدالة الاجتماعية، التعليم، واللغة العربية. في الستينات والسبعينات مثّل الحزب صوت المعارضة القوي، مطالباً بتوسيع صلاحيات البرلمان وتقليص هيمنة السلطة التنفيذية. وفي الثمانينات والتسعينات، ركّز على مواجهة سياسات التقويم الهيكلي والدفاع عن الفئات الهشة. خلال حكومة عباس الفاسي (2007–2011)، قاد تدخلات مرتبطة بالتشغيل والسكن والعدالة الاجتماعية. وبعد انسحابه من حكومة بنكيران سنة 2013، عاد الحزب إلى المعارضة، منتقداً بشدة تدبير ملفات التعليم والصحة، قبل أن يعود اليوم إلى موقع المشاركة الحكومية، حيث يساهم في تنزيل النموذج التنموي الجديد والدفاع عن الدولة الاجتماعية.
أما علاقته بالقصر، فقد مرت بمراحل متباينة: من التوتر في مرحلة ما بعد الاستقلال، حين اعتُبر الحزب يسعى للهيمنة على المشهد السياسي؛ إلى الصدام في الستينات والسبعينات بسبب مطالب الإصلاح الديمقراطي؛ ثم إلى مرحلة التوافق ابتداءً من الثمانينات، حيث شارك الحزب في الحكومات المتعاقبة. ومع حكومة التناوب، بلغت العلاقة مستوى من الشراكة، قبل أن تستقر اليوم في صيغة مؤسساتية هادئة، يوازن فيها الحزب بين الدفاع عن ثوابته التاريخية (الملكية، الإسلام، الوحدة الترابية، اللغة العربية) وبين الانخراط في الإصلاحات التي يقودها الملك محمد السادس.
إن صمود حزب الاستقلال لأكثر من ثمانية عقود، رغم الانشقاقات الكبرى مثل انشقاق 1959 الذي أدى إلى ظهور الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ورغم التحولات البنيوية في المجتمع المغربي، يؤكد أننا أمام مؤسسة متجذرة في الوجدان الشعبي. واليوم، وهو يضع نفسه تحت المجهر، يواجه الحزب تحدياً وجودياً يتمثل في كيفية الحفاظ على النفس التاريخي في زمن تغلب فيه التكنوقراطية والفعالية التقنية. غير أنّ قوة الأفكار الكبرى تكمن في قدرتها على التجدد، وحزب الاستقلال بما يحمله من إرث فكري ونضالي مدعوّ إلى أن يثبت أنّ المدرسة الوطنية التي أسّسها لا تزال قادرة على إنتاج الأجيال الجديدة وصياغة التوازن بين الأصالة والحداثة، بين التاريخ والمستقبل، وبين الثوابت والمتغيرات. هكذا يظل الحزب، رغم كل التحولات، عنواناً للذاكرة الوطنية وركيزة من ركائز المغرب الحديث.
وعند الحديث عن الزعماء الذين كانوا في الواجهة، فإننا نستحضر أسماء صنعت تاريخ المغرب الحديث:
-
علال الفاسي، الزعيم المؤسس الذي جمع بين الفكر والنضال، وظل مرجعاً أساسياً لكل استقلالي.
-
أحمد بلافريج، رجل الدولة والدبلوماسية الذي لعب دوراً محورياً في تدويل القضية المغربية وكان أول رئيس حكومة للمغرب المستقل.
-
محمد بوستة، الحكيم الذي قاد الحزب في مرحلة المسلسل الديمقراطي، وتميّز بصلابة المواقف ورفض تولي رئاسة الحكومة في ظروف اعتبرها غير ملائمة.
-
عباس الفاسي، الذي أعاد الحزب إلى صدارة المشهد السياسي وقاد حكومة التناوب الثاني بعد انتخابات 2007.
-
حميد شباط، الذي مثّل مرحلة الخطاب الشعبي والصدام السياسي، وارتبط اسمه بالانسحاب الشهير من حكومة بنكيران.
-
نزار بركة، الذي أعاد للحزب هدوءه المؤسساتي ورصانته الأكاديمية، محاولاً التوفيق بين إرث الحزب ومتطلبات النموذج التنموي الجديد.
إن هذه القيادات لم تكن مجرد أسماء في سجل الحزب، بل كانت واجهات سياسية صنعت ملامح المغرب المعاصر، حيث جسّد كل واحد منهم مرحلة خاصة من تاريخ الدولة والمجتمع. ومن خلالهم ظل الحزب وفياً لثوابته الكبرى: الملكية، الإسلام، الوحدة الترابية، واللغة العربية، مع انفتاح واعٍ على الحداثة.
حزب الاستقلال لعب أدواراً بارزة داخل البرلمان المغربي منذ أول تجربة دستورية سنة 1962، حيث كان من أكثر الأحزاب حضوراً في النقاشات التشريعية، مقدماً مقترحات قوانين مرتبطة بالعدالة الاجتماعية، التعليم، واللغة العربية. علاقته بالقصر مرت بمراحل من التوتر والتوافق: من صدامات في الستينات والسبعينات بسبب مطالب الإصلاح السياسي، إلى شراكات حكومية في مراحل التناوب، وصولاً إلى علاقة أكثر هدوءاً في المرحلة الراهنة.
تدخلات حزب الاستقلال في البرلمان
-
الستينات والسبعينات: الحزب كان من أبرز الأصوات المعارضة داخل البرلمان، حيث ركز على قضايا الديمقراطية، إصلاح التعليم، والدفاع عن اللغة العربية. كما طالب بتوسيع صلاحيات البرلمان وتقليص هيمنة السلطة التنفيذية.
-
الثمانينات والتسعينات: شارك الحزب في صياغة قوانين مرتبطة بالاقتصاد الوطني، ودافع عن العدالة الاجتماعية في مواجهة سياسات التقويم الهيكلي. تدخلاته البرلمانية ركزت على حماية الفئات الهشة.
-
مرحلة التناوب (1998–2011): لعب الحزب دوراً أساسياً في دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية، خاصة خلال حكومة عباس الفاسي (2007–2011)، حيث قاد تدخلات مرتبطة بالتشغيل، السكن، والعدالة الاجتماعية.
-
مرحلة المعارضة (2013–2021): بعد انسحابه من حكومة بنكيران، ركز الحزب على مراقبة السياسات الحكومية، وانتقد بشدة تدبير ملفات التعليم والصحة.
-
المرحلة الحالية (منذ 2021): الحزب يشارك في الحكومة وله حضور برلماني قوي (60 نائباً و24 مستشاراً)، حيث يركز على تنزيل النموذج التنموي الجديد، والدفاع عن الدولة الاجتماعية.
علاقته بالقصر
-
مرحلة ما بعد الاستقلال: شهدت العلاقة بعض التوتر، خاصة مع انشقاق 1959 الذي أدى إلى ظهور الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث اعتبر القصر أن حزب الاستقلال يسعى للهيمنة على المشهد السياسي.
-
الستينات والسبعينات: العلاقة اتسمت بالصدام، خصوصاً مع مطالب الحزب بتوسيع الديمقراطية، وهو ما أدى إلى تقليص نفوذه في بعض الفترات.
-
مرحلة التوافق: ابتداءً من الثمانينات، بدأ الحزب يقترب أكثر من القصر، خاصة مع مشاركة قياداته في الحكومات المتعاقبة.
-
التناوب الأول والثاني: العلاقة بلغت مستوى من الشراكة، حيث قاد الحزب حكومة عباس الفاسي بتوافق مع المؤسسة الملكية.
-
اليوم: الحزب يحافظ على علاقة مؤسساتية هادئة مع القصر، يوازن فيها بين الدفاع عن ثوابته التاريخية (الملكية، الإسلام، الوحدة الترابية) وبين الانخراط في الإصلاحات التي يقودها الملك محمد السادس.

