تتجه أنظار المراقبين للشأن العربي والإفريقي اليوم صوب العاصمة المصرية القاهرة، التي تحتضن أعمال الدورة الأولى لـ “لجنة التنسيق والمتابعة” المغربية المصرية، في خطوة ديبلوماسية وازنة تؤسس لمرحلة جديدة من الارتقاء بالعلاقات الثنائية تحت المظلة السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس وأخيه الرئيس عبد الفتاح السيسي. ويأتي هذا الاجتماع رفيع المستوى، الذي يترأسه كبار المسؤولين من الجانبين تمهيداً للقاء رئيسي حكومتي البلدين، ليعكس إرادة سياسية صلبة في تفعيل الأطر المؤسسية وتحويل التوافقات السياسية إلى مشاريع اقتصادية ملموسة على أرض الواقع، مستندة في ذلك إلى إرث تاريخي ضارب في القدم، حيث تعود الجذور الرسمية لهذه العلاقات إلى فجر استقلال المغرب عام 1956، حين سارعت القاهرة لتكون من أوائل الدول الداعمة للسيادة المغربية، ليتوج ذلك بزيارة تاريخية للمغفور له الملك محمد الخامس إلى مصر عام 1960، وهي المحطات التي أسست لروابط وجدانية وثقافية ودبلوماسية لم تنقطع خيوطها عبر العقود، بل ازدادت رسوخاً بالتنسيق المستمر في القضايا القومية الكبرى.
ومن المرتقب أن تتوج مباحثات القاهرة اليوم بتوقيع نحو 16 اتفاقية تعاون شاملة، جرى التحضير لها بعناية لتشمل قطاعات حيوية تتراوح بين التجارة والصناعة والفلاحة والاستثمار، مع مراعاة مبدأ الاستفادة المتبادلة وتدشين شراكة حقيقية تخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين. وفي صلب هذه الأجندة المكثفة، تبرز الرغبة الأكيدة للحكومة المغربية، ممثلة بوفد وزاري وازن يضم حقائب الخارجية والمالية والتجهيز والفلاحة والصناعة والثقافة، في معالجة ملف عجز الميزان التجاري الذي سجل نحو 880 مليون دولار لصالح الجانب المصري في العام 2023؛ حيث يسعى الطرفان عبر هذه الآلية الجديدة إلى خلق توازن استراتيجي يرفع من قيمة الصادرات المغربية نحو السوق المصرية، بما يتناسب مع حجم التبادل التجاري الذي تجاوز المليار دولار. ولا ينفصل هذا الحراك الاقتصادي عن السياق الجيوسياسي المضطرب الذي تمر به المنطقة، جراء التداعيات الخطيرة للعمليات العسكرية الجارية، مما يفرض تنسيقاً أمنياً وديبلوماسياً عالي المستوى لضمان استقرار سلاسل الإمداد ومواجهة التهديدات التي تمس السيادة العربية. إن انعقاد هذه اللجنة بالقاهرة، بمشاركة أكثر من 50 جهة ووزارة من الجانبين، يمثل حجر الزاوية في بناء تحالف استراتيجي صلب قادر على مواجهة التحديات الدولية، وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص للتكامل الاقتصادي والنمو المستدام، تأكيداً على دور الرباط والقاهرة كقطبي استقرار في المنطقة العربية والقارة الإفريقية، ووفاءً لتاريخ طويل من الإخاء والتآزر والمصير المشترك.
ويضم الوفد المغربي المشارك في اجتماعات هذه اللجنة، كلا من وزير الخارجية ناصر بوريطة، ووزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، ووزير التجهيز والماء نزار بركة، ووزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري.
كما يضم وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار وتقييم السياسات العمومية كريم زيدان، وسفير المغرب لدى مصر محمد آيت وعلي.