جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

حكومة “المنجزات الورقية”: كيف تحولت القطاعات الحيوية إلى عبء على المواطن المغربي؟

0 9

تستمر فصول هذه الأزمة في التمدد لتطال مفاصل الدولة والمجتمع، حيث لم يعد الحديث اليوم في الصالونات السياسية أو على موائد الأسر المغربية يقتصر على مجرد “صعوبات عابرة”، بل تحول إلى تشخيص لما يشبه “السكتة القلبية” في تدبير الشأن العام. إن هذا التحقيق الاستقصائي في واقع السياسات الحكومية لعام 2026 يكشف أن الحكومة سقطت في فخ “التكنوقراطية الصماء”؛ فهي تتقن لغة “الماكرو-اقتصاد” والمؤشرات التي ترضي المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد، لكنها تفشل فشلاً ذريعاً في “ميكرو-اقتصاد” الأسرة المغربية. فبينما تتحدث التقارير عن استقرار العملة وجاذبية الاستثمار، يواجه المواطن في الأسواق الشعبية حقيقة مريرة، حيث أصبحت اللحوم والفواكه والزيوت سلعاً كمالية، والسبب ليس دائماً “الجفاف” أو “الظروف الدولية” كما يروج الخطاب الرسمي، بل هو غياب الإرادة السياسية في تفعيل مجلس المنافسة وضرب يد المفسدين الذين يقتاتون من الأزمات.
هذا الواقع ليس وليد اللحظة، بل هو حصيلة سنوات من السياسات التي فضّلت الاستعراض الدولي على حساب الخدمات الأساسية، ووضعت مشاريع كبرى ومناسبات رياضية وثقافية في الواجهة، بينما المواطن يئن تحت ضغط المعيشة. إن فقدان الثقة بين الشعب والدولة يتجلى في الشارع، في الشعارات الغاضبة، وفي الإحساس العميق بأن الأولويات انقلبت رأسًا على عقب. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من ملاعب ومهرجانات، بل من إعادة الاعتبار للصحة والتعليم والقدرة الشرائية، لأن الإنسان هو أساس أي مشروع وبدونه لا معنى لأي صورة دولية براقة.
وفي عمق قطاع الصحة، نجد أن ورش “الحماية الاجتماعية” الذي كان من المفترض أن يكون ثورة إنسانية، قد تحول في نسخته الحالية إلى عبء إداري. فالمواطن الذي انتظر أن تفتح له أبواب المستشفيات بمجرد حصوله على بطاقة التغطية، اصطدم بواقع “المواعيد البعيدة” ونقص الأدوية الحيوية، مما جعل المستشفى العمومي في نظر الكثيرين مجرد محطة انتظار نحو المجهول. أما في الجانب التعليمي، فإن الأزمة لم تعد في المناهج فحسب، بل في “فقدان الثقة”؛ فالمدرسة العمومية التي خرجت أجيال الاستقلال وبنت مغرب التنوع، يتم إضعافها اليوم بشكل ممنهج لصالح استثمارات التعليم الخصوصي التي تحولت إلى “تجارة بالبشر”. هذا التخلي التدريجي للدولة عن أدوارها الاستراتيجية في التربية والصحة هو ما يغذي اليوم مشاعر “الغربة” داخل الوطن لدى فئة الشباب، الذين لا يجدون في برامج التشغيل الحكومية سوى حلول ترقيعية لا تضمن استقراراً ولا كرامة.
وعلاوة على ذلك، يبرز ملف الطاقة كدليل قاطع على الارتباك الحكومي؛ فالمغرب الذي يستثمر المليارات في الطاقات المتجددة، لا يزال مواطنه يؤدي فاتورة كهرباء ومحروقات هي الأغلى في المنطقة. إن استمرار التمسك بفرض ضرائب ثقيلة على البنزين والديزل، رغم ما يخلفه ذلك من “تأثير الدومينو” على كل مناحي الحياة، يعكس عقلية جبائية تبحث عن الحلول السهلة في جيوب الفقراء بدلاً من التوجه نحو فرض ضرائب تصاعدية على الثروات الكبرى أو استعادة الأموال المنهوبة في المضاربات. إن الفشل هنا ليس تقنياً فقط، بل هو “فشل أخلاقي” في ترتيب الأولويات؛ حيث يبدو أن الحكومة تعيش في “مغرب موازٍ” مليء بالمنجزات الورقية، بينما يعيش الشعب في مغرب حقيقي يئن تحت وطأة الغلاء، وبينهما جدار من الصمت الرسمي لا تكسره سوى وعود انتخابية لم يعد لها أي رصيد من المصداقية في الشارع المغربي. هذا الوضع يضعنا أمام تساؤل جوهري حول مصير “التعاقد الاجتماعي” في ظل حكومة يبدو أنها استقالت من وظيفتها الأساسية وهي حماية المواطن، لتتحول إلى مجرد “مسير أعمال” لمصالح فئات ضيقة لا ترى في الوطن سوى

سوق للأرباح.

القسم الإقتصادي // أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!