في ليلة مؤثرة من ديسمبر 2025، أسدل المصارع الأميركي جون سينا الستار على مسيرة رياضية استثنائية امتدت لأكثر من عقدين، حيث خاض نزاله الأخير أمام النمساوي غونثر في عرض Saturday Night’s Main Event بواشنطن، وسط حضور جماهيري تجاوز 19 ألف متفرج.. سينا، الذي حمل شعارًا ظلّ محفورًا في ذاكرة الجماهير: “لا تستسلم أبدًا”، اختار أن يودّع الحلبة بخسارة نادرة عبر الاستسلام، وكأنّه أراد أن يعلّم جمهوره أن الشجاعة ليست في الانتصار الدائم، بل في معرفة اللحظة التي نترك فيها المجال لغيرنا.
مسيرة سينا الرياضية كانت حافلة بالإنجازات: بطل العالم في مصارعة المحترفين 17 مرة، أحد أبرز وجوه WWE، ورمزًا. جمع بين القوة البدنية والكاريزما الإعلامية. لم يكن مجرد مصارع، بل أيقونة ثقافية ألهم الملايين، وترك إرثًا يصعب تكراره في عالم الرياضة الترفيهية. ومع تقدّمه في العمر (48 عامًا)، اختار أن يحافظ على صورته في القمة، بدل أن يترك الزمن يفرض عليه التراجع.
لكن اعتزال سينا لم يكن نهاية، بل بداية فصل جديد في مسيرته الفنية. فقد نجح خلال السنوات الأخيرة في تثبيت اسمه في هوليوود، من خلال أفلام الأكشن والكوميديا، مثل مشاركته في سلسلة Fast & Furious وظهوره في The Suicide Squad. والأهم أنه اختار المغرب مؤخرًا ليكون مسرحًا لتصوير فيلمه الجديد “ماتشبوكس” (Matchbox)، وهو عمل ضخم بميزانية بلغت 75 مليون دولار، خُصص منها 15 مليون دولار لمراحل الإنتاج داخل المغرب.
في الدار البيضاء، تحوّلت أحياء درب عمر ودرب السلطان إلى ساحات مطاردات مذهلة، حيث صُوّرت مشاهد سيارات تنقلب داخل الأنفاق، فيما التقطت الكاميرات من أسطح المباني لقطات جوية حابسة للأنفاس. أما في مرزوكة، فقد احتضنت الرمال الذهبية مشاهد أكشن عالمية، لتؤكد أن المغرب أصبح وجهة مفضلة لصنّاع السينما الدولية. حضور سينا في شوارع البيضاء ورمال الصحراء لم يكن مجرد تصوير، بل رسالة رمزية: أن المغرب قادر على أن يكون فضاءً عالميًا يجمع بين الأصالة والحداثة، بين الرياضة والفن، بين المحلية والعالمية.
إن اعتزال جون سينا يذكّرنا بأن الرموز لا ترحل، بل تتحوّل. من الحلبة إلى الشاشة، من الرياضة إلى الفن، يواصل سينا كتابة قصة جديدة، وهذه المرة من أرض المغرب، حيث يلتقي التاريخ بالحاضر، وتتحوّل الشوارع والأزقة إلى مسرح عالمي. وكما في الرياضة، كذلك في السياسة والمجتمع: الأجيال تتعاقب، والرموز تغادر لتفسح المجال لدماء جديدة تحمل الحلم وتواصل البناء.