جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

أقلام مهاجرة : الفنان الكفيف عبد العزيز مكروم

672

هو عبد العزيز مكروم؛ فنان مسرحي، فنان تشكيلي، مخرج وسيناريست، وممثل سينمائي، ومنتج ومخرج للأفلام القصيرة… متعدد المواهب والاهتمامات رغم الإعاقة البصرية. لهذا، فالكتابة عن مبدع كفيف كالفنان عزيز مكروم هي مغامرة من نوع خاص، هي الكتابة عن مبدع يمتلك عينا أخرى. مبدع تحدى ما تسمى إعاقة بصرية التي كانت نتيجة أخطاء طبية وقصور البصيرة البشرية، ليبدع ويتألق ويقوم بما يقوم به من يمتلكون أعينا، بل وأكثر. لقد خاض تجارب إبداعية وفنية عدة؛ من المسرح إلى السينما، إلى الفن التشكيلي الذي درسه بالمهجر ببروكسيل، والذي يعتمد على مزج الألوان ليخلق الفنان لونه الإبداعي والجمالي الخاص به. فكيف تسنى له ذلك ؟ وكيف درس وتعلم كل هذا ؟ وكيف أبدع كل هذا ؟ وقد فقد نعمة البصر منذ طفولته الأولى، أم أنه فعلا لم يفقد أبدا نعمة البصيرة.    

  المولد والنشأة :

  اسمه الكامل عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن غانم “مكروم”، أو على الأصح “الصغير” حسب الاسم العائلي القديم، لكن والده غيره بعد ذلك إلى “مكروم”، لدواعي شخصية وعائلية. ازداد عزيز يوم الجمعة 7 يونيو 1974 ، في حي يعج بالحركة ليلا ونهارا، يسمى” حي رشيل” أو “ساحة فيردان” قرب “سينما فيردان” الشهيرة بالدار البيضاء، والتي كانت تتواجد بظهر المنزل الذي ولد فيه، ومن هنا جاء عشقه للسينما منذ الطفولة… وبهذا الحي الذي يقطنه اليهود والمغاربة ويعيشون فيه منذ زمن طويل في انسجام تام. في هذا الحي يمتزج فيه عطر النساء بالتراب، بالمطبخ المغربي، بالأسواق المكتظة، بنمنمات النساء، بقهقهات الرجال، بلعب الأطفال وصخبهم. بالمدينة الكبيرة الدار البيضاء المغربية دخل المدرسة مبصرا، ليخرج منها كفيفا. في العام الثالث من مولده ولج روض الأطفال في سن مبكرة، وكان من عادته الوصول مبكرا أيضا لحجز المكان الأول في الصف للتركيز مع المعلمة نظرا لضعف بصره… وفي عام 1980 تم تسجيله بمدرسة بحي الإنجليز وتسمى مدرسة رحال الفاروقي، دخل المدرسة مبصر العينين كباقي الأطفال بفرح وسرور ، لكن مع مرور الوقت أخذ يحس بشيء ما غير طبيعي في عينيه، خاصة عند نزول الظلام فلا يرى ما كتب في السبورة، فكان عندما يطلب من المعلمة الاقتراب كان يتلقى سخرية التلاميذ. بعد المدرسة يخرج إلى باب مراكش، حيث كانت هناك طيور كثيرة ينصت إليها، خاصة طائر الحسون وأم قنين، وكأنه يشكو إليها حزنه، ويتحاور معها بروحه وصمته، فتخفف عنه بصوتها الجميل في المساء ما عاناه طول اليوم من شقاوة الصبيان. فأخذ يتمتع بهذه الأمسيات، فكان يساعد مربي الطيور بسقي الماء، فكانوا يجودون عليه ببعض ما اصطادوا، فيعود فرحا مسرورا إلى الدار. وفي يوم من الأيام قدمت له حمامة هدية، فشرع في تربية الحمام في السطوح ما زال أولادها من صلبها إلى اليوم في المغرب.

   المعاناة في مرحلة الصبا كانت كبيرة، ولما وصل إلى المستوى الثانوي، فقد شبكية العين، تطلب الأمر إجراء عملية جراحية مستعجلة. فسافر الوالد على وجه السرعة إلى القرية إلى بلاد الأجداد “أربعاء العونات” بإقليم الجديدة، فباع قطعة أرضية من أرض الأجداد على وجه السرعة، لكي لا يفلت فرصة العملية، لينقذ فلذة كبده. في قاعة العملية وبعد إجراء العملية، أخبره الطبيب أن المصعد معطل، فبقي ستة ساعات هناك. فصعد على قدميه، جلس وحيدا في حجرته، لكنه أحس بعدها بشيء لزج ينزل من عينيه، فلما نادى الطبيب قيل له أنه غير موجود، وانتظر حتى الغد. فلما فحصه قال له كن شجاعا… فعلم أن الأمر صادم جدا، وأن العملية لم تنجح، ستة أشهر كانت ظلاما دامسا فقد فيها الكل، حتى الأصدقاء، فأصبح العالم كله أسودا، كأنه رسم على الورق، وطويت الصفحة إلى أخرى سوداء، فكان النوم هو العلاج الوحيد. هاجر إلى فرنسا لعله يجد هناك علاجا لهذه العاهة الأليمة، لكن الأطباء صارحوه بأن العملية التي أجريت له بالمغرب شابتها كثير من الأخطاء الفادحة. أجروا له عملية أخرى لكنه لمح فيها البصر في لحظات قليلة، لكن سرعان ما فقده نهائيا وعاد إلى المغرب، زار طبيبا آخر “العلوي عبد اللطيف” الذي تعاطف معه جدا، فأرشده إلى المدرسة العلوية لرعاية المكفوفين بدرب عمر لمتابعة دراسته موسم 1993ـ 1994 بالسنة الرابعة إعدادي والتي تكللت بالنجاح، ليلج قسم المسرح ويحقق حلمه الذي كان يتمناه منذ سنوات الصبا قبل أن يفقد نعمة البصر، ليمارسه الآن وهو فاقد لها. ولكن كيف بمن يمتلك العزيمة القوية، والإرادة الصلبة أن يوقفه عائق أوعوائق مهما كانت، صحية أو مادية أو اجتماعية، وكما قال الشاعر الحكيم المتنبي: وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ

تحدي الإعاقة باحتراف المسرح :

  درس المسرح على يد محمد سعيد عفيفي، الذي ساعده كثيرا في مشواره الفني، متحديا هذه الإعاقة الجسدية. فشارك في المسرح البلدي كأول ظهور له على الخشبة في أول عرض مسرحي يقوم به، والذي مثل له دعما معنويا كبيرا. ثم شارك في برنامج تلفزيوني “المسافر” لمحمد مهدي ليفوز بالجائزة الثانية، فكان علاجا أيضا نفسيا، ودعما معنويا جد مهم للخروج من هذه الوضعية النفسية المتأزمة.

المسرح هو دعم معنوي وعلاج نفسي :

   بعد المسرح البلدي شارك في مسرحية “تاغونجا”، التي كانت من إخراج ادريس السبتي. ثم مسرح شكسبير بالمعهد المسرحي في مسرحية “العين بالعين” و”موليير”. إلى سنة 1999 حيث أخرج محمد سعيد عفيفي مسرحية “رجل من الشمس” ، قام بها بجولة بالعالم القروي وبمناطق عديدة بالمغرب، والتي توجته كممثل مسرحي واقف على قدميه. وفي نفس السنة كانت هي السنة النهائية وامتحان التخرج بالمعهد المسرحي كللت أيضا بالنجاح.

رأينا كيف أن عزيز مكروم جعل المسرح دعما نفسيا ومعنويا للتغلب على مشكلة الإعاقة البصرية، وتعويضا له عن هذه الحاسة العظيمة التي فقدها في صغره. فأخرج ومثل وكتب مسرحيته الرائعة ” رجل الشمس”. والتي قام بجولة بها في عدة قرى بالمغرب. وقد لقت استحسانا ونجاحا باهرا آنذاك . يحكي عن هذه التجربة الفريدة واندهاش الناس عندما كان يمثل فوق خشبة المسرح وحين يقترب من حافة الخشبة يرجع وكأنه يرى بكلتا عينيه، لكن كانت قدماه الحافيتان هما عينيه، إذ كان يتحسس بهما حدود الخشبة حتى لا يسقط.

ورغم نجاح مسرحيته فكر في تعميق دراساته لأبي الفنون، متحديا بذلك كل العقبات وكل الحدود. اِلتحق بأكاديمية المسرح ببروكسيل ليعانق المسرح بكل أشكاله، وليدرس تاريخه وجذوره، وليتعرف على مدارسه ومشاربه، وليتعلم فن كتابة التراجيديا والكوميديا والكوميديا المركبة، وكذا فن الإخراج وصناعة المسرح.

في سنة 2002م حصل على دبلوم الأكاديمية ليصبح محترفا في أبي الفنون خاصة بلغة موليير ببلجيكا، وليمخر عباب تجاربه العريقة بأوربا. والذي كان يعتبر متنفسا وحيدا للفرجة، قبل اختراع السينما والتلفاز. كانت جل الأسر الأرستقراطية تذهب إلى دور المسرح مساء لحضور العروض البهيجة، ومشاهدة أكبر وأشهر المسرحيات لكبار المبدعين والأدباء، مثل الإلياذة، والبخيل، وهاملت…

فمن 2006 إلى 2009 شارك في عمل مسرحي ضخم ببلجيكا تحت اسم ” MISSING مفقود” مع فرقة مسرح ” Théâtre Brokely ” التي قامت بجولة عبر المدن البلجيكية. فكان مبهرا من حيث الأدوار والأداء، فقد كان يخاطب الممثل فوق الخشبة كأنه يراه باستعمال تقنية استشعار النفس، كما أنه كان يتعامل فوق الخشبة مع الأضواء لأنه كان يحس بها، تماما كباقي الممثلين. فلم تكن هذه الإعاقة لتمنعه من أداء دوره بإتقان ودون أخطاء أو خروج عن سياق المسرحية أو النص.

الفنون التشكيلية :

ببروكسيل أيضا اتجه إلى اكتشاف فن آخر كان حكرا على المبصرين خاصة الفن التشكيلي الذي يعتمد على خلط الألوان لإخراج لوحات في غاية الروعة . فحصل ببروكسيل أيضا على دبلوم أكاديمية الفنون الجميلة سنة 2003، فاتجه إلى تنظيم عدة معارض ببلجيكا والمغرب.

فقد كانت معارضه ولوحاته تبهر الزائرين، مكررين نفس التساؤل كيف يرى الألوان وكيف يختارها ؟ فيجيب أن ” الألوان ما زالت مخزنة في ذاكرتي عندما كنت مبصرا في طفولتي وقبل أن أصاب بهذا الابتلاءالعظيم” . لكن الجديد والمدهش حقا كيف يخطها على لوحاته ؟ كيف يمزجها ؟ بل أضاف على هذا الفن لمساته الخاصة ليجعلها مشاهدة حتى من ذوي الإعاقة البصرية مثله، إذ جعلها معبرة باللمس، فأي كفيف يمكن أن يتصور مضمون اللوحة عند ملامستها، وتتبع بصماتها، ودروبها المشكلة عليها بعناية فائقة من طرف فناننا الكفيف عبد العزيز مكروم.

وقد نظم معرضا للفن التشكيلي بدار المكفوفين ببروكسيل، وعدة قاعات ببلجيكا والمغرب ما بين سنتي 2010 و2011. ويتذكر حينما رسم أول عمل فني تشكيلي كبير ببلجيكا وهي لوحة : ” ربيع أمي le printemps de ma mère ” سنة 2005

في نادي الأعمال اليديوية. لهذا فقد كانت معارضه ببلجيكا أو بالمغرب تغطى من طرف عدة قنوات محلية كقناة مغرب تيفي، بحيث كان ضيفا على الشاعر أحمد حضراوي في برنامجه “الديوان”، وقنوات عربية مثل قناة الجزيرة، والقناة الثانية المغربية، وعدة جرائد، ومواقع إلكترونية. وقد عبر لهم جميعا أن الكفيف يرى كافة الألوان أيضا، وليس الأسود فقط كما يظن الناس.

الإخراج السينمائي “الأفلام القصيرة ـ court métrage ” :

درس الإخراج السينمائي، وكتابة السيناريو كذلك، بنفس الأكاديمية، نعم هكذا، صدق أو لا تصدق، فأعماله تغنيك عن كل تعليق. فحصل سنة 2009م على دبلوم في الفن الفتوغرافي والإخراج السنمائي “الأفلام القصيرة ـ court métrage ” من المركز السينمائي ببروكسيل.

وكتب وأنتج وأخرج عدة أفلام قصيرة منها : ” لأجل عائلتي pour ma famille ” سنة 2005م، و ” نقطة نظام point d’organisation ” سنة 2014م.

و ” عزف على أوتار الحواس” سنة 2017م، مثَّل فيه مع كبار الممثلين المصريين، حيث عرض بعدة قنوات مصرية.

كما يعد حاليا فيلما قصيرا بالمغرب مع كبار الممثلين والممثلات المغربيات، وبعضهم مقيم ببلجيكا وإيطاليا، تحت عنوان : “المصعد l’ascenseur “، وآخر بعنوان : ” mauvaise foi نية سيئة “، سيريان النور قبل متم سنة 2019م .

العمل الإذاعي :

بالإضافة إلى مواهبه المتعددة، فقد كان منشطا لعدة برامج إذاعية ببلجيكا منها إذاعة : “المنار” سابقا، التي كانت تبث عبر أمواج FM من بروكسيل.

لفناننا الكفيف عدة مواهب تغلب بها على سواد الليل المستمر، حيث يكتب القصة، والسيناريو مباشرة على جهاز الحاسوب الخاص به، كما أنه نَشِطٌ عبر شبكات التواصل الاجتماعي خاصة الفايسبوك، حاضر بجل الملتقيات الفكرية والأدبية بديار المهجر خاصة بفرنسا وبلجيكا وألمانيا.

في الأخير وليس آخرا، لا أخفي عنكم أنه أبهرني فعلا عندما التقيته ليحكي لي عن حياته الفنية والأدبية، فكتبت قصيدة عنه ألقيتها في لقاءات أدبية، وسجلتها عبر قناتي باليوتوب، تجدونها في هذا الرابط :

ذ. محمد الحراق

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!