جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

الفيتو الروسي واختبار الشراكة .. بين عمق التراكم التاريخي وثوابت الدبلوماسية المغربية

0 12

تدخل القضية الوطنية مرحلة حاسمة وغير مسبوقة داخل أروقة المنتظم الدولي عقب التطورات الأخيرة الشديدة الأهمية التي شهدها مجلس الأمن بشأن التجديد لبعثة “المينورسو”. فقد أسفر التصويت على مشروع القرار الأمريكي، إلى جانب المقترح الروسي البديل، عن استخدام الفيتو والدخول في نفق عدم التوافق، وهو ما ترتب عليه إنهاء أو تعليق المهمة الرسمية للبعثة الأممية مع انقضاء ولايتها بنهاية شهر أكتوبر . هذا التطور الدراماتيكي يعيد رسم خريطة التعاطي الدولي مع نزاع الصحراء المغربية ويضع كافة الأطراف أمام واقع جديد لا مكان فيه للحلول المترددة أو إطالة أمد الوضع القائم.

ويعكس إسقاط القرار الأمريكي عبر الفيتو الروسي، وما تلاه من فيتو أمريكي ضد الطرح الروسي، ذروة الاستقطاب الدولي داخل مجلس الأمن، لكنه يقود عمليا إلى النتيجة التي طالما فرضها المغرب على أرض الواقع، وهي إنهاء أسطورة “المينورسو” كبعثة ذات أهداف متجاوزة. إن البعثة التي أشار اليها السفير الأمريكي مايك والتز بوضوح إلى أنها أصبحت تخصص نحو ثمانين بالمائة من وقتها وإمكانياتها لإعادة تموين نفسها، تحولت مع مرور العقود إلى هيكل بيروقراطي يكرس العبثية ويستهلك موارد أممية ضخمة دون تقديم أي إضافة للمسار السياسي، مما يجعل انتهاء ولايتها نقطة قطع مع أدوات قديمة أكل عليها الدهر وشرب.

وعلى المستوى الوطني، يكرس هذا التحول السيادة الميدانية والشاملة للمملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية، حيث واصلت الدولة إرساء بنياتها التحتية وتنفيذ مشاريعها التنموية الكبرى تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، غير مبالية بجمود الآليات البيروقراطية الأممية. كما يعزز هذا الوضع قوة الموقف المغربي المدعوم بقوى دولية نافذة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تؤكد بوضوح وبصفتها حاملة القلم في الملف أن مبادرة الحكم الذاتي لعام 2007 هي الخيار الوحيد والعملي والجامع الذي يحظى بالمصداقية لإغلاق هذا الملف بصفة نهائية.

وفي المقابل، يضع هذا التطور خصوم الوحدة الترابية والجبهة الانفصالية في عزلة سياسية ودبلوماسية خناقها يضيق يوماً بعد يوم. فقد جرد إسقاط ولاية المينورسو الأطراف المعرقلة من أداة المناورة والمماطلة التي استُغلت لعقود لإبقاء خيار الاستفتاء المقبور على القائمة. موازاة مع ذلك، تتجه الأنظار الدولية بنوع من الصرامة والمسؤولية نحو الأوضاع الإنسانية الكارثية في مخيمات تندوف، بعد أن كشفت البيانات الرسمية للأمم المتحدة حجم الانتهاكات وتفشي فقر الدم وسوء التغذية بين الأطفال المحتجزين، مما يسقط أي غطاء أخلاقي عن المتاجرين بمعاناة الساكنة ويضع الجزائر الدولة المصيفة أمام التزاماتها القانونية والمباشرة.

أما على صعيد العلاقات الخارجية، فإن موقف الفيتو الروسي يضع الشراكة الثنائية والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الرباط وموسكو على محك المراجعة والتقييم الدقيق، استناداً إلى المعيار المحدد الذي أرسته المملكة في التعاطي مع الشركاء الدوليين، والذي يزن الصداقات والعلاقات بمقياس الموقف من الوحدة الترابية للمملكة.

وفي هذا السياق، فإن الإشارة إلى عمق التاريخ وامتداد العلاقات بين المملكة المغربية وفدرالية روسيا تعكس البعد الاستراتيجي العريق الذي طالما ميز روابط البلدين، فالمغرب وموسكو يمتلكان سجلا حافلا من التعاون الثنائي والتجاري والدبلوماسي الذي صمد أمام العديد من التحولات الدولية. غير أن العقيدة الدبلوماسية المعاصرة للمملكة المغربية، التي ترتكز على الوضوح والحزم وربط القول بالعمل، تجعل من قضية الوحدة الترابية والسيادة الوطنية المعيار الأساسي والفيصل الدقيق في تقييم هذه الشراكات؛ فالانخراط في شراكات استراتيجية قوية لا يلغي ضرورة التوافق حول الثوابت الوطنية الكبرى التي تجمع عليها الأمة المغربية قاطبة.

وعليه، فإن هذا التوازن الدقيق بين الإرث التاريخي العريق ومقتضيات السيادة الوطنية هو ما يمنح الدبلوماسية المغربية تحت اشراف جلالة الملك محمد السادس صياغتها الرصينة، بحيث تظل الأبواب مفتوحة أمام التعاون المثمر القائم على الاحترام المتبادل، مع الحفاظ على الثبات المبدئي في الدفاع عن المصالح العليا للبلاد، ليظل هذا التحول التاريخي مؤكداً أن حل النزاع المفتعل لم يعد رهيناً بتوافقات مجلس الأمن المترددة، بل بات محسوماً بالواقعية السياسية والسيادة الميدانية للمغرب على كامل ترابه من طنجة إلى الكويرة.

القسم السياسي // أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!