في مشهد حافل بالدلالات الدبلوماسية الرفيعة، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقصر الكرملين بموسكو الوفد المغربي رفيع المستوى برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، الممثلة الخاصة لجلالة الملك محمد السادس، في مستهل أعمال القمة الروسية-الإفريقية. وقد نقلت السيدة المنصوري خلال هذا الاستقبال الاستثنائي رسالة سامية من الملك محمد السادس إلى القيادة الروسية، تسلط الضوء على عمق الروابط التاريخية المتينة التي تجمع المملكة المغربية بالاتحاد الروسي، وتؤكد الرؤية الملكية الحكيمة لجعل التعاون الدولي والاندماج القاري مدخلاً رئيسياً لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة. هذا الاستقبال الرفيع لم يكن مجرد حدث بروتوكولي، بل جاء ليؤكد الموقع المتميز الذي تحتله المملكة كفاعل استراتيجي موثوق، وليطلق شارة استكمال وتجديد مسار شراكة نموذجية تتقاطع فيها الأبعاد السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية.
وتستند هذه الشراكة المتجددة إلى محطات تاريخية فارقة أرست دعائمها الزيارات الملكية السامية لروسيا (والاتحاد السوفياتي سابقاً)؛ بدءاً من الزيارة التاريخية للمغفور له الملك الحسن الثاني إلى موسكو في أكتوبر 1966،
والتي أسست لدخول التكنولوجيا السوفياتية في مجالات بناء السدود والسكة الحديدية ومحطات الطاقة بالمغرب. وصولاً إلى عهد الملك محمد السادس، حيث أرست زيارته الأولى سنة 2002 لَبِنَة “بيان الشراكة الاستراتيجية”، تلتها زيارته التاريخية في مارس 2016 التي أرست إطار “الشراكة الاستراتيجية المعززة”، واضعةً العلاقات الثنائية في مسار غير مسبوق من التعاون الشامل والتنسيق رفيع المستوى.
وعلى الصعيد السياسي، تحافظ الرباط وموسكو على قنوات حوار ومستويات عالية من التنسيق الدبلوماسي المستمر تجاه القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وتتميز المواقف الروسية في المحافل الدولية، ولا سيما داخل مجلس الأمن الدولي، بالاتزان والحياد الإيجابي تجاه الملفات المغاربية وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية؛ حيث تؤكد موسكو باستمرار دعمها لجهود الأمم المتحدة وللحلول السياسية التوافقية المستدامة. وفي المقابل، تواصل المملكة المغربية دبلوماسيتها المتزنة القائمة على تنويع الشركاء الدوليين وتغليب منطق الحوار والقانون الدولي.
ويشكل الشق الاقتصادي القاطرة المحركة لهذه الشراكة، وهو ما تعكسه بالأرقام التقديرات التجارية الأخيرة؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين المغرب وروسيا نحو 3 مليارات دولار خلال عام 2024. وتتجسد قوة هذا التعاون في مبادلات متكاملة ومستمرة في النمو؛ حيث ارتفعت المبادلات التجارية بين البلدين بنحو 30% خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتتركز واردات المغرب من روسيا في القمح، المنتجات النفطية والطاقية، والمواد الأولية، حيث بلغت صادرات المنتجات الزراعية الروسية إلى المغرب نحو 280 مليون دولار في عام 2024 (يشكل القمح معظمها)، مما يدعم منظومة الأمن الغذائي والطاقي بالمملكة. وفي المقابل، تسجل الصادرات المغربية حضوراً قوياً بالأسواق الروسية من خلال الفواكه، الحوامض، المنتجات الفلاحية، وبعض المنتجات الصناعية والسمكية، مستفيدة من آليات التسهيل الجمركي (“الممر الأخضر”) وعمل اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني، إلى جانب اتفاقيات الصيد البحري المتجددة.
ولم تقتصر هذه الشراكة على الأبعاد السياسية والاقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل البعد الإنساني والثقافي الذي يقرب بين الشعبين. ويبرز التعاون الأكاديمي والجامعي كأحد ألمع أوجه هذا التواصل؛ حيث تستقبل الجامعات والمعاهد الروسية سنوياً مئات الطلبة المغاربة في تخصصات حيوية كـالطب والهندسة والتقنيات الحديثة، ليعودوا حاملين خبرات تساهم في التنمية الوطنية. وعلى صعيد السياحة والثقافة، يسهم الانفتاح المتبادل والتسهيلات السياحية والفعاليات الثقافية المشتركة في التعريف بالتراث المغربي العريق في المدن الروسية، وبناء تفهم إنساني وحضاري أعمق يرسخ العلاقات الشعبية بين البلدين.
إن التناغم الحاصل بين اللحظة الدبلوماسية الرفيعة بالكرملين، والمسار التاريخي العريق، والتنسيق السياسي المتزن، والدينامية الاقتصادية المتصاعدة التي تعكسها أرقام المبادلات التجارية القياسية، تؤكد أن العلاقات المغربية الروسية تسير بخطى واثقة نحو بناء نموذج متكامل للشراكة جنوب-شمال. إنها رؤية قائمة على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وتفتح آفاقاً واعدة لمستقبل أكثر نماءً واستقراراً للبلدين والشعبين الصديقين.