درس إيطالي في التضحية السياسية: بين تمثيل الشعب وخدمة الشعب
نحو مفهوم جديد للخدمة العمومية: بين البرلمان الإيطالي والبرلمان المغربي
تفتح جريدة “أصداء مغربية” أعمدتها لنبض المواطنة الحية، مستحضرةً شهادة حية وقراءة نقدية صادقة خطها ابن الحي المحمدي بالدار البيضاء، عبد اللطيف شاكر، بناء على تجربة مغاربية وإنسانية استمرت ربع قرن في ديار المهجر بإيطاليا.
تأتي هذه المساهمة في لحظة فارقة يشتد فيها النقاش الوطني حول توازنات قانون المالية ومسارات العدالة الاجتماعية؛ حيث تضع أمامنا مقارنة دقيقة ومباشرة بين نموذج إيطالي شجاع جسدته حركة “5 نجوم” – حين التزم نوابها طوعاً باقتطاع الجزء الأكبر من أجورهم وضخ مئات الملايين من اليوروهات لصالح صندوق تمويل المقاولات الصغرى ودعم الشباب، فضلاً عن تقليص عدد أعضاء البرلمان بموجب تعديل دستوري حظي بتأييد شعبي واسع – وبين واقع وطني يتطلع فيه المواطن المغربي إلى ربط العمل السياسي بالقدوة والتضحية الميدانية.
إن الجريدة إذ تتناول هذا الطرح الواقعي، لا تبتغي مقارنة شكلية مجردة، بل تهدف إلى فتح نقاش عمومي مسؤول ومستنير حول كلفة التدبير السياسي وواجب التضامن في أوقات التحديات الاقتصادية. فالعمل النيابي في جوهره يظل رسالة وطنية مبنية على خدمة القضايا العادلة للمواطنين وتخفيف الأعباء المعيشية، وليس مضماراً للامتيازات.
نترككم مع قراءة نص المقال لعبد اللطيف شاكر :
” عشت ربع قرن كامل في إيطاليا، من سنة 1990 إلى 2015، وهناك عاينت عن قرب كيف يمكن للعمل السياسي أن يكون أداة للتضحية الحقيقية وخدمة الصالح العام، لا طريقاً سريعاً للاغتناء والمصالح الشخصية.
أذكر جيداً سنة 2013، عندما ظهرت “حركة 5 نجوم” في المشهد السياسي الإيطالي، واتخذ نوابها الجدد في البرلمان قراراً تاريخياً وصادماً لكل الطبقة السياسية التقليدية؛ فقد قرروا الاكتفاء بمبلغ 2500 يورو فقط من أصل راتبهم الشهري الذي يفوق 15 ألف يورو، وإعادة الباقي إلى خزينة الدولة.
لم تكن تلك الخطوة مسرحية استعراضية، بل تجسيداً عملياً لمبدأ راسخ: “من يترشح لتمثيل الشعب، يجب أن يعيش هموم الشعب وقريباً من واقعه”. وفي غضون سنوات قليلة، استطاع هؤلاء النواب إعادة أكثر من 100 مليون يورو، تم توجيهها مباشرة لتمويل مشاريع الشباب والطلبة ومساندة المقاولات الصغرى.
اليوم، وأنا أتابع باهتمام بالغ النقاش الدائر حول قانون المالية في المغرب، وما يُطرح بشأن بعض الإجراءات الاجتماعية – كالإعفاء الضريبي لمن تقل أجورهم عن 10 آلاف درهم، أو رفع الحد الأدنى للمعاشات من 1000 إلى 1700 درهم – أقولها بكل صراحة ومن منطلق ضمير حي ابن الحي المحمدي: ما نراه لا يعدو أن يكون في كثير من الأحيان تحايلاً وإبر تخدير لا ترقى لحجم الانتظارات.
فكيف نطلب من المواطن البسيط أن يتحمل أعباء الغلاء وسياسات التقشف، بينما البرلماني يتقاضى أجراً خيالياً يصل إلى 40.000 درهم، فضلاً عن سيارات فاخرة، وتعويضات عن السكن والبنزين، وتقاعد سمين يظفر به بعد خمس سنوات فقط من العمل؟ لكي ندرك المفارقة بمرارة، فإن أجر برلماني مغربي واحد يعادل ما يتقاضاه 11 عاملاً بالحد الأدنى للأجور، ويساوي معاش 23 متقاعداً يعيشون على الفتات.
كنت أتمنى حقا أن يتضمن قانون المالية قرارا سياسيا جريئا وشجاعا؛ كأن تخفض أجور البرلمانيين وتعدل لتتطابق مع الأجر المتوسط للموظف البسيط، وأن تقلص الامتيازات الريادية التي يحظون بها. فالسياسي الذي يتطلع حقا لتمثيل الشعب والدفاع عن كرامته، عليه أن يبدأ بتقديم القدوة والمثال من نفسه.
عليهم بالتضحية، تماماً كما يفعل أب الأسرة المسؤول الذي يقتطع من لقمة عيشه ونفسه ليوفر الراحة لأبنائه. فالأب الحقيقي لا يستأثر بأكل اللحم وحده ويترك الخبز اليابس لأبنائه مطالباً إياهم بالصبر والتحمل.
ذلك هو الدرس العميق الذي تعلمته في إيطاليا، وهذا هو كل ما أتمناه لبلدي الحبيب المغرب الذي أحمله في قلبي أينما حللت وارتحلت “.
المطالب الخمسة المقبولة: برنامج “حركة 5 نجوم” تحت قبة البرلمان الإيطالي
نجحت الحركة في فرض رؤيتها الإصلاحية داخل المؤسسة التشريعية الإيطالية عبر خماسية عملية غيرت قواعد اللعبة السياسية:
-
التنازل الطوعي عن الأجور: التزام نوابها بـ 2500 يورو شهرياً، وإعادة ما يتجاوز 70% من راتبهم الشهري إلى خزينة الدولة.
-
تمويل الاقتصاد الناشئ: توجيه أزيد من 100 مليون يورو من اقتطاعات رواتبهم لتمويل “صندوق الائتمان الدقيق” لمساندة المقاولات الشبابية والطلبة.
-
الشفافية الرقمية المطلقة: إطلاق منصة علنية تمكن المواطنين من تتبع التحويلات البنكية ومراقبة أجور النواب باليورو.
-
التقليص الدستوري للبرلمان: استصدار تعديل دستوري حظي بموافقة شعبية، قضى بتخفيض مقاعد البرلمان من 945 إلى 600 مقعد لتوفير مئات الملايين سنوياً.
-
إنهاء ريع “الكاستا”: تحويل محاربة الامتيازات السياسية المفرطة من شعار انتخابي إلى قطيعة فعلية مع ثقافة الاغتناء من العمل النيابي.

