جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

​بين الإعفاء الضريبي ومحنة المعاشات: قراءة في سؤال الإنصاف الاجتماعي بقانون المالية 2027

​بقلم: إدريس العاشري

0 44

​بقلم: إدريس العاشري 

​ماذا يمكن أن نقول على تثمين المكتسبات الاجتماعية وتحدي العدالة الشاملة بعد عرض قانون المالية لسنة 2027 ؟

ماذا يعني تثمين المكتسبات الاجتماعية إذا لم تنعكس آثارها بصورة منصفة على مختلف فئات المجتمع؟ وإلى أي حد يمكن أن تسهم التدابير التي يحملها مشروع قانون المالية لسنة 2027 في تعزيز الدولة الاجتماعية وضمان الكرامة الاقتصادية للمواطنين، بمن فيهم المتقاعدون؟

في البداية، لا يسعنا إلا التنويه بكل التدابير الإيجابية الرامية إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وتخفيف الأعباء الضريبية، وتعزيز الحماية الاجتماعية. ومن بين الإجراءات التي تستحق الاهتمام والنقاش:
الرفع التدريجي من الحد الأدنى للمعاشات، باعتباره مدخلاً لتحسين وضعية الفئات ذات الدخل المحدود.
الإعفاءات والتخفيضات الضريبية المرتبطة بأجور العاملين النشيطين، بما قد يسهم في تحسين دخلهم الصافي ومواجهة آثار غلاء المعيشة.
تحسين وضعية الأرامل، من خلال التدابير الرامية إلى تعزيز حقوقهن في الاستفادة من معاش الزوج المتوفى، وفق الشروط والمقتضيات القانونية المعتمدة.
إن هذه التوجهات، متى تأكد إقرارها واتضحت شروط الاستفادة منها، يمكن أن تشكل خطوات مهمة في مسار الإصلاح الاجتماعي. غير أن تثمينها لا يمنع من إخضاعها لتحليل اقتصادي واجتماعي موضوعي، غايته قياس أثرها الفعلي على القدرة الشرائية، وتحديد الفئات التي قد لا تستفيد منها بالقدر الكافي.
ومن هنا يبرز سؤالنا الجوهري: كيف يمكن ضمان توزيع أكثر إنصافاً لثمار الإصلاحات الاجتماعية، حتى لا يبقى المتقاعد ذو المعاش المحدود خارج دائرة التحسين الفعلي لمستوى العيش؟
أولاً: المتقاعد ليس عبئاً، بل شريك في بناء الثروة الوطنية
إن قراءة الدور الاقتصادي والاجتماعي للمتقاعد المغربي تكشف أنه ليس فئة منفصلة عن الدورة الإنتاجية، ولا مستفيداً طارئاً من موارد الدولة بمجرد انتهاء مساره المهني، بل هو مواطن ساهم، على مدى سنوات طويلة، في بناء الاقتصاد الوطني وتطوير مؤسساته ومرافقه.
فقد أسهم موظفو القطاع العام في ضمان استمرارية الإدارة والخدمات العمومية، بينما ساهم أجراء القطاع الخاص وأطره في تطوير المقاولات الصناعية والفلاحية والتجارية والخدماتية، وفي خلق الثروة وتعزيز النشاط الاقتصادي.
كما ساهم العاملون، وفق الأنظمة التي ينتمون إليها، في تمويل منظومة التقاعد عبر الاقتطاعات والمساهمات المرتبطة بعملهم، سواء من خلال الصندوق المغربي للتقاعد (CMR)، أو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، أو الصندوق المهني المغربي للتقاعد (CIMR).
وبالتالي، فإن ضمان معاش يحفظ الحد الأدنى من الكرامة ليس صدقة اجتماعية، بل هو جزء من الغاية الأساسية لأنظمة التقاعد، مع مراعاة الالتزامات المالية لكل نظام وشروطه القانونية.
فالتقاعد ينبغي أن يكون انتقالاً إلى مرحلة من الاستقرار، لا مدخلاً إلى الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية أو سبباً في الاعتماد الاضطراري على أفراد الأسرة.
ومن هذا المنطلق، فإن إنصاف المتقاعد لا يمثل فقط واجباً أخلاقياً تجاه جيل أدى رسالته المهنية، بل يشكل أيضاً أحد مؤشرات نجاعة السياسات العمومية وقدرتها على تحويل التنمية الاقتصادية إلى مكاسب اجتماعية ملموسة.
ثانياً: المفارقة الضريبية… من يستفيد ومن يظل خارج الأثر؟
رغم أهمية تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء، فإن المقاربة الضريبية تطرح مفارقة تستحق المعالجة عند مقارنتها بوضعية المتقاعدين ذوي المعاشات المحدودة.
فالمتقاعد الذي لا يتجاوز معاشه 3000 درهم قد يكون غير خاضع للضريبة على الدخل، أو خاضعاً لاقتطاعات محدودة بحسب وضعيته. وفي هذه الحالة، فإن أي تخفيض ضريبي لا يترجم بالضرورة إلى زيادة ملموسة في دخله الصافي.
وينطبق الإشكال، بدرجات متفاوتة، على متقاعدين آخرين قد يستفيدون من إعفاءات محدودة أو لا يستفيدون منها أصلاً، بينما يواجهون، شأنهم شأن الأجراء، ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة والنقل والخدمات الصحية.
وهنا ينبغي التمييز بين أداتين مختلفتين للسياسة الاجتماعية: فالإعفاء الضريبي يحسن الدخل الصافي لمن يؤدي ضريبة قابلة للتخفيض، أما دعم المتقاعد الذي لا يتحمل عبئاً ضريبياً مهماً، فيحتاج إلى آليات أخرى، مثل مراجعة المعاشات المحدودة أو تقديم دعم اجتماعي موجه.
إن معيار نجاعة الإصلاح الضريبي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإعفاءات المعلنة، بل يجب أن يشمل أيضاً مدى تكاملها مع تدابير أخرى تحمي القدرة الشرائية للفئات التي لا يصل إليها أثرها المباشر.
فالعدالة الاجتماعية لا تقتضي إلغاء الامتيازات الموجهة للأجراء، وإنما استكمالها بإجراءات منصفة لفائدة المتقاعدين الذين لا تسمح لهم أوضاعهم المالية بمواجهة الغلاء.
ثالثاً: المعاش الثابت في مواجهة تكاليف المعيشة المتغيرة
تزداد صعوبة الوضع عندما يستند المتقاعد إلى دخل قار، في حين تتغير تكاليف الحياة باستمرار. فثبات المعاش من الناحية الاسمية لا يعني ثبات قدرته الشرائية، خصوصاً عندما ترتفع أسعار الحاجيات الأساسية من دون تعديل مماثل في الدخل.
وتتجلى هذه الإشكالية في ثلاثة جوانب رئيسية:
1. ارتفاع النفقات الصحية والعلاجية
مع التقدم في السن، قد تتزايد الحاجة إلى الفحوصات الطبية والأدوية ومتابعة الأمراض المزمنة. وهي نفقات ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، وقد تستنزف جزءاً مهماً من المعاش، خاصة عندما تكون التغطية الصحية غير كافية لتلبية الحاجيات الفعلية.
2. محدودية فرص تعويض تراجع القدرة الشرائية
تتقلص لدى كثير من المتقاعدين فرص الحصول على دخل إضافي، بسبب السن أو الوضع الصحي أو محدودية فرص العمل المناسبة. وبذلك يصبح المعاش المصدر الأساسي للعيش، في وقت لا يملك فيه صاحبه هامشاً كافياً للتكيف مع الارتفاع المتواصل في النفقات.
3. اختلاف الحاجيات من متقاعد إلى آخر
لا يمكن تقييم المعاش بمعزل عن الظروف الأسرية وتكاليف السكن والعلاج والالتزامات اليومية. فقد يواجه متقاعد يتقاضى المبلغ نفسه الذي يتقاضاه غيره وضعاً أكثر صعوبة بسبب المرض أو إعالة أفراد الأسرة أو ارتفاع المصاريف الضرورية.
لهذا، فإن معالجة أوضاع المتقاعدين تتطلب تجاوز المقاربة التي تعتمد مبلغ المعاش وحده، نحو تقييم أشمل للقدرة الشرائية والحاجيات الأساسية ومستويات الهشاشة.
رابعاً: هل تكفي الزيادة التدريجية في الحد الأدنى للمعاشات؟
إن التوجه نحو رفع الحد الأدنى للمعاشات، إذا تأكدت المبالغ والآجال المتداولة بشأنه، يمثل خطوة تستحق التقييم الإيجابي، خصوصاً إذا استهدف الفئات الأكثر هشاشة.
غير أن نجاح هذه الخطوة لا يتوقف على قيمة الزيادة المعلنة وحدها، بل يرتبط أيضاً بمجموعة من الشروط الاقتصادية والاجتماعية.
أولها، تحديد الفئات المعنية بدقة، وتوضيح شروط الاستفادة، ومدى شمول التدبير لمختلف أنظمة التقاعد.
وثانيها، تقييم القيمة الحقيقية للمعاش بعد احتساب تطور الأسعار. فزيادة المعاش قد تحقق تحسناً ملموساً في البداية، لكن أثرها يمكن أن يتراجع إذا استمر التضخم في رفع تكاليف المعيشة.
وثالثها، التمييز بين رفع الحد الأدنى للمعاشات ومراجعة المعاشات القائمة التي تآكلت قدرتها الشرائية بمرور السنوات؛ فمعالجة الفئات التي تتقاضى معاشات شديدة الانخفاض لا تغني بالضرورة عن دراسة وضعية المتقاعدين الآخرين الذين تراجعت قيمة معاشاتهم الحقيقية.
كما ينبغي أن تستند أي زيادة مستدامة إلى دراسة مالية واضحة، تراعي إمكانات أنظمة التقاعد والتزاماتها الحالية والمستقبلية، حتى لا تتحول معالجة الإشكال الاجتماعي إلى مصدر اختلالات مالية جديدة.
ومن ثم، فإن السؤال الأساسي ليس فقط: كم سترتفع المعاشات؟ بل أيضاً: ما مقدار التحسن الحقيقي الذي سيشعر به المتقاعد بعد احتساب التضخم وتكاليف العلاج والحاجيات الأساسية؟
خامساً: نحو عدالة اجتماعية تشمل العامل والمتقاعد معاً
إن تعزيز الدولة الاجتماعية يقتضي اعتماد مقاربة متكاملة لا تضع الأجراء في مواجهة المتقاعدين، ولا تجعل تحسين وضعية فئة مبرراً لإغفال فئة أخرى.
وفي هذا الإطار، يمكن التفكير في ثلاثة مداخل عملية:
مراجعة دورية للمعاشات المحدودة، وفق معايير واضحة تراعي تطور تكاليف المعيشة والإمكانات المالية لأنظمة التقاعد.
تعزيز الحماية الصحية للمتقاعدين، من خلال تحسين الولوج إلى العلاج ودعم الأدوية الأساسية والأمراض المزمنة، ولا سيما بالنسبة إلى ذوي الدخل المحدود.
تقييم الأثر الاجتماعي للإصلاحات الضريبية، وتحديد الفئات التي لا تستفيد منها بصورة مباشرة، مع دراسة تدابير مكملة تحقق الإنصاف في القدرة الشرائية.
وإلى جانب ذلك، تظل استدامة صناديق التقاعد شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح، وهو ما يستدعي تحسين الحكامة والشفافية، وتقييم مصادر التمويل والالتزامات المستقبلية، والبحث عن حلول متوازنة تحفظ حقوق المتقاعدين الحاليين وتصون حقوق الأجيال المقبلة.
إن الهدف ليس المطالبة بزيادات غير مدروسة أو تحميل الصناديق أعباء تتجاوز إمكاناتها، بل إرساء توازن مسؤول بين الاستدامة المالية والإنصاف الاجتماعي، بما يجعل حماية المتقاعد جزءاً أصيلاً من سياسة اقتصادية مستدامة.
خاتمة: الإنصاف الاجتماعي لا يتوقف عند نهاية المسار المهني
إن النقاش حول قانون المالية لسنة 2027 ينبغي ألا يقتصر على الإعفاءات الضريبية والزيادات المعلنة، بل يجب أن يمتد إلى تقييم أثر هذه التدابير على مختلف فئات المجتمع، ومدى قدرتها على حماية القدرة الشرائية وضمان العيش الكريم.
فإذا كان تحسين أجور العاملين ضرورياً لمواجهة الغلاء، فإن تحسين أوضاع المتقاعدين ذوي المعاشات المحدودة لا يقل أهمية، خصوصاً أن هؤلاء يواجهون التكاليف نفسها، مع محدودية قدرتهم على تنويع مصادر دخلهم وارتفاع حاجياتهم الصحية لدى كثير منهم.
ولا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين العامل والمتقاعد، بل بإرساء سياسة اجتماعية متكاملة تعترف باختلاف الحاجيات، وتوجه الدعم إلى مستحقيه، وتضمن ألا يتحول انتهاء الحياة المهنية إلى بداية للتهميش الاقتصادي.
لقد ساهم المتقاعد المغربي في بناء الثروة الوطنية وتمويل أنظمة التقاعد طوال سنوات عمله، ومن حقه اليوم أن يستفيد من سياسة عمومية تحمي قدرته الشرائية وتصون كرامته.
إن المعيار الحقيقي لنجاعة الدولة الاجتماعية ليس فقط ما تمنحه للعامل أثناء مساره المهني، بل أيضاً ما تضمنه للمتقاعد بعد انتهاء عطائه.
فالتنمية لا تكتمل بالأرقام وحدها، والعدالة الاجتماعية لا تتحقق بالإعفاءات الضريبية وحدها، بل بمدى انعكاس الإصلاحات على الحياة اليومية للمواطنين، وبقدرتها على الجمع بين النمو الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي والاستدامة المالية.
إنصاف المتقاعد ليس امتيازاً إضافياً، بل استحقاق اجتماعي ينبغي أن يكون حاضراً في صلب أي إصلاح يروم بناء دولة اجتماعية أكثر عدلاً وتضامناً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!