في زمن أصبحت فيه العديد من منصات مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة وباحة مفضوحة لتداول الأخبار الزائفة والمواقف التحريضية والآراء المغرضة والترهات ذات النية الحسنة في سوء النية ، لم يعد كل ما يُنشر فيها يعكس بالضرورة حقيقة الواقع، ولا كل ما يتصدر واجهاتها يستحق التصديق أو التفاعل. فبين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة، وبين الاختلاف المشروع والتحريض الممنهج، مسافة شاسعة واسعة قد تختزلها منشورات عابرة، لكنها لا تستطيع أن تمحو تاريخًا طويلًا من الأخوة والتواصل الإنساني والحضاري، كما هو الشأن بالنسبة للعلاقات المغربية الموريتانية، الضاربة جذورها في عمق التاريخ السحيق.
لقد أعاد البلاغ المشترك للنقابة الوطنية للصحافة المغربية ونقابة الصحفيين الموريتانيين، الصادر يوم 25 أكتوبر 2026، تسليط الضوء على ظاهرة مقلقة تتمثل في تنامي بعض الخطابات التحريضية والمضامين المسيئة المتداولة عبر بعض المنصات الرقمية، وما قد يترتب عنها من محاولات لتسميم الأجواء بين الشعبين الشقيقين، وتغذية مشاعر التوجس والعداء، واستبدال لغة الحوار بمنطق الاستفزاز والتشهير والتعميم.
ولعل المفارقة اللافتة أن المنصات التي وُجدت لتقريب المسافات وتيسير التواصل بين الناس، قد تتحول، حين تُستعمل بسوء نية أو دون وعي، إلى منصات للقطيعة والتشويش، وصراع الديكة بما يجعل وصف «اللاتواصل الاجتماعي» أكثر تعبيرًا عن وظيفتها في مثل هذه الحالات؛ إذ بدل أن تجمع القلوب وتفتح نوافذ التفاهم، تنصب الحواجز وتؤجج الخلافات، وتصب الزيت على النار، وتمنح الأصوات المتشنجة / النشاز مساحة قد تفوق حجمها الحقيقي في المجتمع.
غير أن العلاقات المغربية الموريتانية أعمق من أن تختزلها تدوينة، لا تعدو ان تكون زوبعة في فنجان، وأرسخ واشمخ من أن تهزها حملة رقمية عابرة كفقاعات الصابون .
فالمغرب وموريتانيا ليسا مجرد بلدين تجمعهما حدود جغرافية ومصالح سياسية واقتصادية، بل فضاءان متداخلان من التاريخ واللغة والدين والثقافة والعادات والروابط الاجتماعية والإنسانية. إنها علاقة صنعتها قرون من التفاعل والتبادل والتجاور، ورسختها وشائج القربى والمصاهرة والتجارة والتنقل، فضلًا عن امتدادات ثقافية وحضارية ظلت حاضرة في الذاكرة الجماعية للشعبين.
ومن ثم، فإن محاولة الإساءة إلى هذه العلاقة عبر تعليقات مستفزة أو منشورات مجهولة المصدر أو أخبار غير موثوقة، لغرض في نفس يعقوب، لا تمثل مجرد انزلاق في استعمال الفضاء الرقمي، بل تنطوي على خطر أوسع حين تتحول إلى محاولة لبناء أحكام جماعية على أساس مواقف فردية او ممنهجة، أو تحميل شعب بأكمله مسؤولية كلام صدر عن شخص أو حساب أو جهة بعينها.
وهنا تكمن خطورة التعميم؛ فليس من الإنصاف أن يصبح تصرف فرد عنوانًا لشعب، ولا أن تتحول إساءة عابرة إلى مبرر للتشكيك في نيات مجتمع بأكمله. فالشعوب لا تُقاس بأكثر الأصوات ضجيجًا، ولا تختزل هويتها في أكثر المنشورات استفزازًا، وإنما تُعرف بتاريخها وقيمها ومواقفها ومواقف أبنائها الذين يؤمنون بالتعايش والاحترام المتبادل.
إن أخطر ما يمكن أن تفرزه هذه الحملات الشعواء الشنعاء هو انتقال الخلاف من فضاء النقاش إلى فضاء الوجدان، حيث تتحول الاختلافات في المواقف إلى أحكام مسبقة، وتصبح الإساءة إلى الآخر وسيلة لإثبات الانتماء أو الدفاع عن الوطن. والحال أن الوطنية الحقة لا تحتاج إلى الإساءة إلى الأشقاء، والاعتزاز بالهوية لا يقتضي الانتقاص من هوية الآخرين، والدفاع عن المصالح الوطنية لا يتعارض مع احترام الشعوب وتقدير الروابط المشتركة.
ومن المؤكد أن العلاقات بين الدول والشعوب قد تعرف تباينًا في وجهات النظر، وقد تطرأ عليها تحديات تفرضها الظروف الإقليمية والدولية، لكن تدبير هذه الاختلافات يظل مسؤولية العقلاء الحكماء من العلماء والمثقفين والمؤسسات والفاعلين المسؤولين، لا الحسابات المجهولة التي تتغذى على الإثارة، ولا الحملات التي تصنع المعارك الافتراضية وتضخمها، ثم تترك آثارها في النفوس والعلاقات.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الإعلام المهني باعتباره ركيزة أساسية في حماية الوعي العام من التضليل، من خلال التثبت من الأخبار، والتمييز بين الوقائع والادعاءات، والابتعاد عن الإثارة المجانية، وعدم الانسياق وراء المحتويات التي تستهدف المشاعر الجماعية. كما تتعاظم مسؤولية صناع المحتوى والمؤثرين والمواطنين، لأن إعادة نشر خبر غير موثوق أو تعليق مسيء قد تمنحانه انتشارًا أوسع، حتى وإن كان صاحبهما لا يملك أي دليل على ما يدعيه.
ولا يعني ذلك مصادرة حرية التعبير أو الدعوة إلى إلغاء الاختلاف؛ فالاختلاف حق مشروع، والنقد المسؤول ضرورة في المجتمعات الحية، لكنهما لا يكتسبان قيمتهما إلا حين يستندان إلى الحجة والوقائع ويحترمان كرامة الإنسان. أما التحريض والكراهية والتشهير والتعميم، فلا يمكن تبريرها باسم الحرية، مثلما لا يجوز مواجهة الإساءة بإساءة مماثلة، لأن النار لا يطفئها اللهيب، والفتنة لا تُواجه بإنتاج فتنة مضادة، والاساءة لا يرد عليها بالاساءة درءا لتناسلها وتدحرجها مثل كرة الثلح.
إن البلاغ المشترك للنقابتين الصحفيتين المغربية والموريتانية يشكل، في هذا الإطار، دعوة واضحة إلى استعادة المعنى النبيل للتواصل، وتعزيز التعاون المهني، ونشر ثقافة التحقق من المعلومات، والتصدي لخطاب الكراهية وفق القانون، مع صون حق الجميع في التعبير والنقد المشروع. وهي دعوة لا تهم الصحفيين وحدهم، بل تشمل كل مستخدم للفضاء الرقمي، باعتباره مسؤولًا عن الكلمة التي ينشرها، والصورة التي يروجها، والانطباع الذي يسهم في تكوينه لدى الآخرين.
ولعل المطلوب اليوم ، اكثر من اي وقت مضى،هو الانتقال من مجرد التحذير من حملات التشويش إلى بناء مناعة مجتمعية وإعلامية قادرة على مواجهتها؛ من خلال التربية على المواطنة الرقمية، وتشجيع المبادرات الإعلامية المشتركة بين البلدين، وإبراز ما يجمع الشعبين من قصص إنسانية وتجارب ناجحة وروابط ثقافية واجتماعية، وتوفير فضاءات للحوار المسؤول الذي يسمح بتبادل الرأي دون المساس بكرامة الآخر.
فالعلاقات الأخوية لا تُصان بالصمت عن الأخطاء، وإنما بالحوار الصريح والمسؤول، ولا تُحمى بإنكار الاختلاف، وإنما بمنع تحوله إلى عداوة. كما أن قوة الروابط بين الشعوب لا تعني غياب التحديات، بل تعني القدرة على تجاوزها بالحكمة والتبصر والإيمان بأن المصالح المشتركة أكبر من نزوات اللحظة.
وفي نهاية المطاف، ستبقى العلاقات المغربية الموريتانية أكبر من منشورات عابرة، وأقوى من حملات تحريضية مهما اتسع انتشارها، لأن ما يجمع الشعبين ليس وليد خوارزميات المنصات الرقمية، حتى تستطيع هذه المنصات أن تفكك عراه، بل هو امتداد تاريخي وإنساني وثقافي لا يمكن اختزاله في سجال افتراضي أو إساءة إلكترونية.
فلتكن منصات التواصل جسورًا للتقارب لا خنادق للعداء، ومنابر للحوار لا أدوات للفتنة؛ ولنتذكر دائمًا أن الأشقاء قد يختلفون في الرأي، لكن حكمة التاريخ وروابط الأخوة تظل أقدر على جمعهم من كل محاولات التشويش والتفرقة.
إن المغرب وموريتانيا يجمعهما رصيد من الأخوة وخزان من شبكة العلاقات يستحق أن يُصان، ومستقبل من التعاون يستحق أن يُبنى، وأجيال تستحق أن ترث لغة التفاهم والاحترام بدل خطاب الكراهية والتنافر. وذلك هو الرهان الحقيقي: أن ننتصر لقيم الأخوة على ضجيج التحريض، وللحقيقة على التضليل، وللتواصل الإنساني على «اللاتواصل» الذي لا يبني إلا الجدران والمتاريس وحقول الغام، ويغذي لغة الكراهية التي لا مبرر لها اصلا واساسا.