الصحراء المغربية من الرمال إلى قطب اقتصادي وجيوسياسي واعد
المصطفى بلقطيبية /متابعة
تشهد قضية الصحراء المغربية تحولا استراتيجيا وحاسما يعيد رسم المعالم السياسية والتنموية للمنطقة بأكملها. وتتجلى أبعاد هذا التحول في المبادرة الأمريكية التاريخية داخل مجلس الأمن والمتمثلة في مسودة مشروع قرار يقضي بإنهاء ولاية بعثة حفظ السلام المينورسو في الثلاثين من أبريل ألفين وسبعة وعشرين، وتحويلها ابتداء من فاتح ماي إلى بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر، بالتزامن مع حذف كلمة الاستفتاء من اسم البعثة ليصبح بعثة الأمم المتحدة للصحراء. وتكرس هذه الوثيقة بوضوح لا يدع مجالا للشك المقترح المغربي للحكم الذاتي الموسع والمحين كأساس حصري ووحيد للمفاوضات والحل السياسي النهائي، مع إلزام الأمين العام للأمم المتحدة بالشروع في تقليص المكون العسكري والنظامي للبعثة بنسبة لا تقل عن خمسين في المائة بحلول الحادي والثلاثين من يناير ألفين وسبعة وعشرين. إن هذا الحسم الدولي يسقط الطروحات الانفصالية والبائدة، ويضع الخصوم أمام واقع سياسي جديد يكرس السيادة المغربية الكاملة ويفتح الباب أمام الاستقرار الإقليمي المستدام.
![]()
وعلى الميدان، تترجم الأقاليم الجنوبية للمملكة هذه المكتسبات السياسية والدبلوماسية إلى نهضة تنموية واقتصادية واجتماعية شاملة وغير مسبوقة جعلت من المدن الصحراوية ورشا مفتوحا للاستثمار وبناء المستقبل. ويبرز مشروع الطريق السريع الممتد من تيزنيت إلى الداخلة مرورا بالعيون كشريان استراتيجي يعيد رسم خريطة المبادلات التجارية والربط القاري بين المغرب وعمقه الأفريقي، حيث أتاح هذا الشريان البنيوي تسهيل حركة نقل الأشخاص والسلع وتقليص زمن وتكاليف اللوجستيك ملموسا. وفي القطاع الميناؤي، يتواصل العمل بخطى حثيثة في تشييد ميناء الداخلة الأطلسي الضخم ليكون بوابة تجارية واقتصادية تربط إفريقيا بأمريكا اللاتينية وأوروبا، إلى جانب الموانئ الأخرى الموزعة بالعيون وبوجدور والتي تعزز سلاسل القيمة لقطاع الصيد البحري والتجارة البحرية. وتترافق هذه البنيات الشاهقة مع تدفق متزايد للاستثمارات الوطنية والأجنبية في مجالات الطاقة المتجددة، كالمحطات الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، والمنشآت الصناعية والمناطق اللوجستية الحديثة.
وعلى مستوى الفلاحة، شهدت المنطقة تحولا جذريا نحو الزراعة العصرية المعتمدة على التكنولوجيا المتقدمة وتحلية مياه البحر، لا سيما في الداخلة والعيون، حيث تحولت المساحات الصحراوية إلى ضيعات تنتج أجود أنواع الخضروات والفواكه الموجهة للتصدير، إلى جانب مشاريع استزراع الأحياء المائية التي توفر آلاف مناصب الشغل لأبناء المنطقة. وفرضت السياحة نفسها كقطاع حيوي متألق بفضل المؤهلات الطبيعية التي تجمع بين سحر الصحراء وشواطئ المحيط، حيث أضحت الداخلة والعيون وجهة عالمية للرياضات المائية كالكايت سورف، ومقصدا للسياحة البيئية والمهرجانات الدولية.
![]()
ولتعزيز هذا الزخم، شهدت شبكة المواصلات والنقل البري والجوي تطورا استثنائيا ينقل المنطقة إلى مستوى أعلى من الانسيابية، حيث ترتبط المدن الصحراوية بالمدن المغربية الكبرى عبر أسطول حديث وعصري من حافلات نقل المسافرين الممتازة التابعة لشركات وطنية متعددة، وخطوط يومية منتظمة. أما على صعيد النقل الجوي، فتعتبر المطارات الدولية بالعيون والداخلة بنية تحتية جوية استراتيجية توفر رحلات يومية ومباشرة تربط المنطقة بالمطارات الوطنية الكبرى وكبريات العواصم الأوروبية والإفريقية. وامتدت هذه الطفرة للتأهيل الأكاديمي والجامعي بفضل تأسيس كلية الطب والصيدلة بالعيون والمستشفى الجامعي، والمدارس العليا للتكنولوجيا والمعاهد المتخصصة في الصيد والتجارة والتدريب المهني. كما شهدت البنية التحتية الرياضية نهضة استثنائية عبر ملاعب وقاعات مغطاة بمعايير عالمية كمركب الشيخ محمد أغلظف بالعيون وملاعب الداخلة وبوجدور. ويواكب هذا كله توهج دبلوماسي بارز تمثل
في افتتاح نحو ثلاثين قنصلية عامة لدول عربية وإفريقية وأمريكية بالعيون والداخلة.
وفي سياق هذه الدينامية الوطنية الشاملة، تجد الجالية المغربية بالخارج مكانتها كقوة بشرية واقتصادية وثقافية استثنائية للمملكة تتجاوز خمسة ملايين نسمة. ولم يعد التعاطي مع مغاربة العالم يقتصر على التحويلات المالية الموسمية، بل أضحت حمايتهم وإدماجهم في الدينامية الوطنية أولوية استراتيجية تؤكد عليها التوجيهات الملكية السامية. غير أن تحقيق الشراكة الشاملة يستدعي معالجة عدد من المطالب المعلقة والمشروعة التي تؤرق الجالية؛ وفي مقدمتها معالجة تجميد التمثيلية البرلمانية المباشرة وتمكين مغاربة العالم من ممارسة حقوقهم السياسية والمواطنة كاملة من دول الإقامة كما ينص الدستور، بالإضافة إلى المطلب الملح المتمثل في إعادة إرساء قطاع وزاري قائم بذاته ومجهز بالصلاحيات الكافية لتدبير شؤون الجالية وإلغاء تشتيت الملف بين قطاعات متعددة. إن تظافر الحسم السياسي والرؤية التنموية الوطنية مع استثمار كفاءات مغاربة العالم بالخارج هو الكفيل بترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة تضمن الازدهار والكرامة لكافة أبنائها داخل الوطن وخارجه.





