تشكل الجالية المغربية بالخارج، التي يتجاوز عدد أفرادها خمسة ملايين نسمة، رصيداً بشرياً واقتصادياً وثقافياً استثنائياً للمملكة. ولم يعد التعاطي مع “مغاربة العالم” يقتصر على البعد الإنساني أو التحويلات المالية الموسمية، بل أضحت حمايتهم وإدماجهم في الدينامية التنموية الوطنية أولوية استراتيجية تؤكد عليها التوجيهات الملكية السامية، وتستدعي سياسات حكومية قوية ومستدامة. تحول في الفلسفة الحكومية: من الرعاية إلى الشراكة شهدت أدبيات السياسة الموجهة للجالية المغربية تحولاً في المفاهيم والأهداف؛ إذ انتقلت التوجهات الرسمية من التركيز على التدبير الإداري التقليدي وتسهيل عملية “مرحبا” الموسمية، نحو إرساء شراكة تنموية شاملة. ويستند هذا التوجه إلى اعتبار كفاءات مغاربة العالم وشبابهم في دول الإقامة رافعة رئيسية لنقل التكنولوجيا، وجلب الاستثمارات، ودعم الدبلوماسية الموازية للتعريف بالقضايا الوطنية الإستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية. المحاور الأساسية للاستراتيجية الموجهة للجالية تعتمد المقاربة المؤسساتية الحالية على عدة أركان متكاملة: تحفيز الاستثمار وتشجيع الكفاءات: إطلاق آليات ومناطق استثمارية مخصصة، وتفعيل “ميثاق الاستثمار الجديد” الذي يمنح حوافز مشجعة لمغاربة العالم لتأسيس مشاريع في مجالات التكنولوجيا، الطاقة، الفلاحة، والصناعة داخل أرض الوطن الرقمنة وتبسيط المساطر الإدارية: تسريع التحول الرقمي للخدمات القنصلية والإدارية لتخفيف العبء عن الجالية، وتسهيل معالجة المساطر العقارية والاستثمارية والقضائية عن بُعد. الحفاظ على الهوية الوطنية والارتباط الثقافي: تعزيز البرامج الموجهة للأجيال الصاعدة من أبناء الجالية لترسيخ الهوية المغربية واللغات الوطنية، وحمايتها من التهميش في دول الاستقبال. المساهمة الاقتصادية: العصب المالي والتنموي لا تزال التحويلات المالية لمغاربة العالم تُشكل أحد أهم مصادر العملة الصعبة ودعم ميزان المدفوعات بالمغرب، حيث حققت مستويات قياسية متتالية خلال السنوات الأخيرة. غير أن الرهان التنموي يتجاوز الاستهلاك العائلي أو القروض العقارية التقليدية، نحو توجيه نسبة أكبر من هذه التحويلات نحو الاستثمار المنتِج وخلق فرص الشغل المستدامة. “إن مغاربة العالم ليسوا فقط مصدراً للتحويلات المالية، بل هم خزان هائل للكفاءات والخبرات العالية في كبريات الشركات والمراكز البحثية العالمية، وإدماجهم في النهضة الوطنية هو خيار استراتيجي لا محيد عنه.” مطالب معلقة: عقدة التمثيل السياسي والوصاية الحكومية على الرغم من المبادرات والمنجزات الملموسة، تظل هناك ملفات كبرى تؤرق الجالية المغربية بالخارج وتعتبرها تعثراً في التنزيل الفعلي لمقتضيات دستور 2011: تجميد التمثيلية البرلمانية المباشرة: بالرغم من أن الدستور ينص صراحة على تمتع مغاربة العالم بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح، إلا أن المساطر الانتخابية المتعاقبة تعثرت في إيجاد صيغة إجرائية تُمكن الجالية من اختيار ممثليها المباشرين داخل قبة البرلمان، مع الاكتفاء بحلول جزئية لا تعكس حجمهم الديمغرافي وتأثيرهم الوطني. غياب وزارة مستقلة ومجهزة بالصلاحيات: تطالب الفعاليات المدنية بالخارج باستمرار بإعادة إرساء قطاع وزاري قائم بذاته وخاص بمغاربة العالم، بدلاً من تشتيت الملف بين قطاعات وزارية متعددة. ويرى المغاربة بالخارج أن وجود حقيبة وزارية مخصصة هو الكفيل بتجميع القضايا، وإلغاء تضارب الاختصاصات، وإيجاد مخاطَب حكومي مباشر ومسؤول أمام الجالية وانشغالاتها اليومية. مواكبة الأجيال الجديدة: تكييف الخطاب والخدمات المؤسساتية لتناسب تطلعات الجيلين الثالث والرابع، الذين يمتلكون رؤية مختلفة ونمط تواصل جديد كلياً يتطلب أدوات تفاعل حديثة. نسيج وطني عابر للحدود إن الجالية المغربية بالخارج تمثل الامتداد الطبيعي والجسر الحيوي الذي يربط المغرب بآفاق العالم. وتبقى نجاعة السياسات الحكومية مرهونة بقدرتها على تنزيل المقتضيات الدستورية شمولياً، وإجابة المطالب المشروعة لمغاربة العالم في التمثيل والمواطنة، لتتحول هذه الشراكة من مجرد أهداف ونصوص إلى واقع ملموس يُشعر مواطني العالم بأن وطنهم الأم ليس فقط ملجأً للعطلات، بل شريك رئيسي في صنع القرار وبناء المستقبل.