قبل التفكير في أي استثمارات اقتصادية كبرى، أو إطلاق مشاريع مادية تزيّن الواجهات وتستنزف الميزانيات، ينبغي أولاً وقبل كل شيء التفكير الجدي في بناء الإنسان وتربيته. فالتاريخ والتجارب الإنسانية المقارنة، وتحديداً النموذج الأوروبي الذي نهض من ركام الحروب والدمار الشامل، تثبت يقيناً أن العنصر البشري هو رأس المال الحقيقي والمحرك الأساسي لأي تنمية مستدامة حقيقية. فالاستثمار في الحجر يفقد قيمته ومعناه ما لم يوازه استثمار عميق في العقول، والوعي، والأخلاق، وقيم المواطنة الحقة. إن تربية الإنسان والنشء تبدأ بطبيعة الحال من النواة الأولى وهي الأسرة، لكنها تختبر وتتبلور بوضوح في الفضاء المجتمعي الواسع. وهنا نصدم بواقع مفارق ومؤلم؛ فبينما تتوفر فرص العمل اليدوي والمهني في قطاعات حيوية كالقطاع الفلاحي والخدماتي، نجد قطاعاً عريضاً من الشباب يفضلون الركون إلى البطالة الاختيارية والاتكال الكلي على الأسرة. يرضى الشاب بأخذ مصروف يومي زهيد لا يكفي إلا للجلوس طوال اليوم في المقهى الذي يوفر “الواي فاي” بالمجان، واستهلاك السجائر بالتقسيط، وضياع الساعات تلو الساعات في النميمة، وتصفح المحتوى الفارغ، عوض استثمار طاقاته في الإنتاج وبناء مستقبل يعزز كرامته. ولم يعد هذا الهدر البشري مقتصراً على كراسي المقاهي الواقعية، بل امتد ليتفاقم في عالم الشاشات والأزقة الافتراضية؛ حيث أضحى اللجوء المكثف إلى منصات “الفيسبوك” و”التيك توك” ملاذاً لقتل الوقت في الخزعبلات ونشر التفاهة. يغرق كثيرون في صراعات وهمية وتحديات فارغة بحثاً عن أوهام الشهرة، بدلاً من السعي الجاد للبحث عن مصدر رزق كريم. إن هذا السلوك يعكس تناقضاً صارخاً؛ ففي الوقت الذي يستسهل فيه البعض الركون إلى التفاهة الرقمية والتحجج بغياب الفرص، وضعت الدولة بين أيدي الشباب العديد من الآليات والبرامج التنموية والتأهيلية الميسرة وسهلة المنال لمن يملك إرادة العمل والابتكار، مما يكشف عن خلل عميق في تقدير قيمة السعي والاعتماد على الذات. وهذا الخلل في التنشئة والوعي لا يبقى محصوراً داخل الجدران المغلقة أو العالم الافتراضي، بل يفيض ليجتاح الشارع والفضاء العام، كاشفاً عن أزمة سلوكية حادة في مفهوم العيش المشترك. فالمشهد اليومي أضحى مليئاً بممارسات تعكس غياب الحد الأدنى من الذوق المدني واحترام الآخرين؛ من تعمد تجاهل الإشارات الضوئية وعبور الشوارع دون اعتبار لحقوق الراجلين في ممراتهم المخصصة، إلى الاستعمال المستفز وغير المبرر لمنبهات السيارات بشكل مزعج يفتقر إلى أبسط قواعد اللياقة والهدوء الحضري. يرافق ذلك استهتار بيئي صارخ، يبدأ من العادات المألوفة كالبصق العشوائي في الطرقات والأرصفة، وصولاً إلى استسهال رمي النفايات بمختلف أنواعها، حتى البسيطة والعضوية منها كقشور الليمون والفواكه، من نوافذ السيارات، وكأن الشارع مزبلة مفتوحة وليست ملكية مشتركة وفضاءً يعكس مستوى حضارة أهله. إن الوعي المجتمعي والتقدم الحقيقي لا يُقاسان أبداً بالشعارات البراقة ولا بحجم المباني الخرسانية، بل يُقاسان بمدى التزام الفرد بقواعد العيش المشترك، واحترامه للقانون، وتقديسه لقيمة العمل والإنتاج، وغيرته الحقيقية على نظافة وسلامة محيطه. إن بناء إنسان واعي، منتج، سوي، ومحترم لقواعد الفضاء العام هو السبيل الوحيد لبناء الحضارات وصيانة الاستثمارات؛ وبدونه، ستظل كل خطط التنمية ومشاريع التحديث مجرد حبر على ورق، وتكديس لأسمنت بلا روح لا يغير من واقع الحال شيئاً.