جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة
فوق الصفحة

البيعة العلوية: الميثاق المتجدد والمرجعية الجامعة في مسار الدولة المغربية

0 5

تُشكل البيعة في تاريخ المملكة المغربية وثيقة سياسية ودينية فريدة من نوعها، تعكس عُمق الأصالة واستمرار المؤسسة الملكية العلوية كصمام أمان للأمة وعنوان لاستقرارها عبر العصور. فهي ليست مجرد مراسم بروتوكولية تُقام في المناسبات الوطنية، بل هي ميثاق غليظ وعقد اجتماعي وسياسي وروحي يربط بين العرش والشعب، ويؤسس لشرعية الحكم القائمة على التراضي، والتلاحم، والالتزام المتبادل بالدفاع عن ثوابت الأمة ومقدساتها. وقد استطاعت الدولة العلوية الشريفة، بفضل هذا الامتداد الروحي والقانوني، أن تحافظ على استقلالية المغرب وهويته الحضارية المتنوعة، وأن تبني نموذجاً دولاتياً أصيلاً يمزج بين عراقة الموروث ومتطلبات العصر.

ويضرب مفهوم البيعة في الثقافة المغربية بجذوره في العمق الإسلامي والتقاليد السياسية المرعية، حيث تمثل تجديداً سنوياً ورسمياً للعهد بين أمير المؤمنين وممثلي الأمة من علماء، وأعيان، ومنتخبين، وممثلي مختلف الجهات والشرائح المجتمعية. وفي المشهد ذاته، يتسع هذا المحفل الوطني ليشهد حضور شخصيات بارزة ورجال دولة من مختلف دول العالم، إلى جانب ممثلي الجالية المغربية المقيمة بالخارج ووسائل الإعلام والصحافة الدولية، مما يمنح هذه المناسبة إشعاعاً عالمياً يعكس مكانة المغرب الدولية وعمق تقاليده السياسية.
ومن خلال هذه الآلية الدستورية والروحية، تتجدد مشروعية السلطة وتترسخ وحدة التراب الوطني، إذ تعبر البيعة عن بيعة الفرد والجماعة للقيادة الكفيلة بحماية الدين، والسهر على أمن البلاد، وضمان حقوق المواطنين. هذا التلاحم المتين يتجلى في أبهى صوره من خلال الحرص المتوارث عبر الأجيال على تقديم أواصر الولاء، كما يجسده السيد إِنهيض محمد، خديم الأعتاب الشريفة وأحد رجالات منطقة مزوضة بإقليم شيشاوة، والذي يواظب على المشاركة سنوياً في حفل البيعة تجديداً للعهد ووفاء للعرش العلوي المجيد، حاملاً مشعل هذه الأمانة الوطنية والروحية خلفاً لوالده الذي سار على ذات النهج الأصيل.


وفي العصر الحديث، تجلت أبعاد البيعة العلوية في مواجهة التحديات الكبرى التي مر بها الوطن؛ فخلال فترة الاستعمار، كانت البيعة هي الحصن المنيع الذي التفت حوله مقاومات الشعب المغربي دفاعاً عن رمز السيادة الوطنية جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، في ملحمة ثورة الملك والشعب. واستمر هذا الرباط الوثيق مع إعلان جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني للمسيرة الخضراء المظفرة، حيث جسدت بيعة أقاليم الصحراء المغربية للعرش العلوي المجيد الحقيقة التاريخية والقانونية التي أكدت مغربية الصحراء، وأعادت ربط الأقاليم الجنوبية بوطنها الأم وفق ميثاق بيعة أزلي لا ينفصم.

ومع اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه الميامين، أخذت البيعة العلوية أبعاداً تنموية وإصلاحية جديدة، حيث تجسدت في التزام ملكي سامٍ يضع المواطن في صلب الألويات، ويترجم مفهوم “إمارة المؤمنين” إلى ورش مفتوح من التنمية، والعدالة الاجتماعية، وحماية الحقوق والحريات. لقد أصبحت البيعة في عهد جلالته ترادف العصرنة والإصلاح المؤسساتي، وبناء الدولة الاجتماعية، وترسيخ الديمقراطية والتضامن الوطني، مع الحفاظ الكامل على الهوية المغربية الأصيلة. إن البيعة للدولة العلوية تظل بذلك المفهوم الرابط الذي يجمع بين الماضي والحاضر، وتضمن للمغرب استمرارية تاريخية متجددة تجعله يخطو بثبات ونمو نحو المستقبل، تحت راية الوحدة الوطنية والتلاحم الراسخ بين الملك والشعب.

المصطفى بلقطيبية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!