كلما حلت مناسبة الذكرى الوطنية الغراء لعيد العرش المجيد، شكلت مصدر الهام وحافزا على ممارسة وقفة تامل في حصيلة تراكمات المنجزات الملكية الميمونة المثمرة.لذلك ومن اجل ذلك والشعب المغربي، من طنجة الى الگويرة ومن الگرگرات الى الصويرة يعيش في خضم الافراح العارمة والمباهج الكبرى للاحتفاء بذكرى مرور 27 سنة على تربع عاهلنا الكريم امير المؤمنين ،حامي حمى الرطن والدين، سبط الرسول المجتبى الامين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس على اريكة عرش اسلافه الملوك العلويين الاماجد الميامين، حري بنا ان نتحدث اليوم بملء الإعتزاز والافتخار عن التحويل النوعي للأوراش التنموية ببلادنا إلى استثمار دبلوماسي مثمر؛ ونطرح سؤالا مشروعا ذا مسوغات: من طريق تيزنيت–الداخلة إلى مشاريع الطاقة والاستثمار ،كيف جعل المغرب من التنمية لغةً جديدة للدبلوماسية؟ مما لا يرتقي إلى مدارجه قيد انملة من الشك ات كل الطرق ليست تُعبد بالإسفلت وحده، فبعضها يُعبد بالرؤية، ويُرسم بالثقة، وتُكتب عليه ملامح المستقبل. وعندما تتحول المشاريع الكبرى إلى شواهد على متانة الشراكات الدولية، تصبح التنميةأبلغ من الخطب، وأقوى من البيانات السياسية. هكذا يواصل المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، تشييد نموذج تنموي يجعل من الأقاليم الجنوبية للمملكة فضاءً للاستثمار، ومن الإنجاز الميداني رافعةً للدبلوماسية، ومن كل ورش كبير رسالةً تؤكد أن السيادة تُترجم أيضاً بلغة البناء والتقدم. وتكتسب هذه الرؤية الملكية دلالة خاصة ونحن نخلد الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك على عرش أسلافه المنعمين، وهي مناسبة وطنية لا تقف عند حدود الاحتفاء، بل تشكل محطة لتقييم حصيلة ربع قرن من الإصلاحات والأوراش الكبرى التي أعادت رسم ملامح المغرب الحديث، ورسخت مكانته شريكاً موثوقاً على المستويين الإقليمي والدولي. لقد تجاوزت الدبلوماسية المغربية، خلال السنوات الأخيرة، مفهومها التقليدي القائم على المواقف السياسية والبيانات الرسمية، لتنتقل إلى مرحلة جديدة أصبح فيها الاستثمار، والبنية التحتية، والطاقة، والاقتصاد، أدوات فاعلة في تعزيز الحضور الدولي للمملكة. إنها دبلوماسية الإنجاز، التي تجعل من كل مشروع ناجح رسالة سياسية، ومن كل ورش تنموي حجة إضافية تعزز الموقف المغربي. ولعل من أبرز تجليات هذا التحول القرار الملكي السامي بإطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريق السريع تيزنيت-الداخلة ، وهو قرار يحمل دلالات تتجاوز مجرد تسمية منشأة طرقية. فهذا الطريق، الذي يعد أحد أكبر مشاريع البنية التحتية بالمملكة، أصبح رمزاً لتحالف استراتيجي بين الرباط وواشنطن، ورسالة تؤكد أن العلاقات الدولية الراسخة لا تُقاس فقط بالاتفاقيات والبلاغات، وإنما أيضاً بما تثمره من مشاريع تنموية تعود بالنفع على الشعوب. إن هذه المبادرة تجسد بوضوح كيف تتحول الأوراش الكبرى إلى أدوات للقوة الناعمة، وكيف يصبح الاستثمار في البنية التحتية استثماراً دبلوماسياً بامتياز، يعكس عمق الشراكات الدولية ويمنحها بعداً عملياً يخلدها في ذاكرة التاريخ. وفي السياق نفسه، يبرز الاهتمام الدولي المتزايد بالأقاليم الجنوبية للمملكة باعتباره نتيجة طبيعية لما تعرفه هذه الربوع من استقرار سياسي ونهضة تنموية غير مسبوقة. ولم تعد حاضرتا الداخلة والعيون مجرد مدينتين في جنوب المملكة، بل تحولتا إلى قطبين اقتصاديين صاعدين يستقطبان كبريات الاستثمارات في مجالات الطاقة المتجددة، والاقتصاد الأزرق، والصناعة، والخدمات اللوجستية. كما أن المشاريع المرتبطة بالهيدروجين الأخضر والأمونيا والطاقات النظيفة، وما يصاحبها من انخراط شركاء دوليين، تؤكد أن الصحراء المغربية أصبحت جزءاً من الاقتصاد العالمي الجديد، القائم على الابتكار والانتقال الطاقي، بما يفتح آفاقاً واسعة لخلق الثروة وفرص الشغل ونقل التكنولوجيا. وفي الوقت ذاته، يواصل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي ترسيخ مكانة المغرب باعتباره فاعلاً محورياً في التعاون جنوب–جنوب، وجسراً استراتيجياً بين إفريقيا وأوروبا. فهذا المشروع لا يقتصر على نقل الطاقة، بل يؤسس لرؤية تنموية متكاملة تقوم على التكامل الاقتصادي، وتعزيز الأمن الطاقي، وخدمة المصالح المشتركة لدول القارة. إن تزامن هذه المشاريع الكبرى مع تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، واساسا بعد صدور القرار الاممي رقم2797، يكشف بجلاء عن نجاح المملكة في الربط بين الدبلوماسية والتنمية. فالمغرب لا يدافع عن وحدته الترابية بالخطاب السياسي وحده، بل يقدم للعالم نموذجاً تنموياً متكاملاً يجعل من الأقاليم الجنوبية فضاءً للاستقرار والإنتاج والاستثمار. وفي المقابل، يجد خصوم الوحدة الترابية أنفسهم أمام واقع جديد تُقاس فيه المواقف بما يتحقق على الأرض، لا بما يُرفع من شعارات. فبينما تتسارع وتيرة التنمية، وتتزايد ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين، تتراجع الأطروحات الانفصالية أمام منطق البناء والازدهار والتعاون، وتنتصر لغة التعاون جنوب جنوب المرتكز على مبدا رابح- رابح ،على لغة وخطابات متجاوَزة افرزها زمن الحرب الباردة التي اكل عليها الزمان وشرب. لقد أثبتت التجربة المغربية، خلال سبعة وعشرين عاماً من حكم جلالة الملك محمد السادس، أن التنمية ليست مجرد خيار اقتصادي، بل هي رؤية استراتيجية متكاملة، وأداة فعالة لتعزيز المكانة الدولية للمملكة، وترسيخ مصداقيتها، وتحويل الإنجاز الميداني إلى قوة دبلوماسية مؤثرة. واليوم، اكثر من اي وقت مضى، تقف الصحراء المغربية على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها الاستثمار والابتكار والانفتاح على العالم. مرحلة تؤكد أن المستقبل لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالإنجازات، وأن السيادة الوطنية تترسخ بقدر ما تتجسد في الطرق والموانئ والمناطق الصناعية ومشاريع الطاقة، كما تتجسد في المواقف السياسية الثابتة. والاكيد أن إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، إلى جانب المشاريع الاستراتيجية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة ضمن رؤية ملكية شاملة جعلت من التنمية لغةً جديدة للدبلوماسية المغربية، ومن الأوراش الكبرى جسوراً تعبر بها المملكة نحو المستقبل بثقة واقتدار. وهكذا، فإن الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد ليست مناسبة لاستحضار حصيلة الإنجازات فحسب، بل هي أيضاً لحظة للتأمل في مسار دولة اختارت أن تجعل من التنمية عنواناً لسيادتها، ومن الشراكة أساساً لعلاقاتها الدولية، ومن الأقاليم الجنوبية نموذجاً مغربياً يجمع بين الاستقرار، والازدهار، والانفتاح. وهي رسالة تؤكد أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، لا يكتفي بصناعة الإنجاز، بل يحسن توظيفه ليصبح رأسمالاً دبلوماسياً يخدم قضاياه الوطنية ويعزز حضوره في عالم تتغير موازينه باستمرار.