عندما ينظر المرء في دفتر التاريخ الحديث للمملكة المغربية، لا يتوقف فقط عند مجريات السنوات أو تعاقب المحطات، بل يستوقفُه حجم التحول العميق والنوعي الذي شهدته الأمة على مدى سبعة وعشرين عاماً من العهد المجيد لجلالة الملك محمد السادس نصره الله. إنها عقدان ونيف من العمل الموصول صاغت للمغرب الممتد عبر العصور جغرافية جديدة من الطموح، ورسخت مكانته كنموذج استثنائي يجمع ببراعة وتوازن بين صيانة الأصالة واستحقاقات التحديث. لقد دخل المغرب مع اعتلاء جلالته عرش أسلافه الميامين مرحلة غير مسبوقة؛ عنوانها الأبرز “الملكية الميدانية القريبة من المواطن” و”الرؤية الاستراتيجية الكبرى”. سبعة وعشرون ربيعاً من الحكم الرشيد أرسيت خلالها دعائم مغرب جاد وموثوق، يستشرف الآفاق بثقة، ويتبوأ مكاناً عليّاً بين الأمم. نهضة اقتصادية وتدفق قياسي للاستثمارات العالمية منذ بدايات هذا العهد الزاهر، آمن المغرب بأن بناء الدولة الحديثة يمر حتماً عبر استثمارات شجاعة في البنيات التحتية الكبرى وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني. ولم تكن تلك المشاريع مجرد أورش خرسانية، بل كانت بيئة جاذبة حولت المملكة إلى وجهة استثمارية مفضلة لكبريات كواليس المال والأعمال عبر العالم: ثقة كبار المستثمرين الدوليين: شهدت العقود الأخيرة تدفقاً وفيراً للاستثمارات الأجنبية المباشرة من مختلف قارات العالم، نظراً لما يتمتع به المغرب من استقرار سياسي ومناخ أعمال آمن ومحفز، وشبكة اتفاقيات للتبادل الحر تشمل مئات الملايين من المستهلكين. ميناء طنجة المتوسط: الذي تحول إلى أكبر ميناء للحاويات في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، معيداً رسم خرائط التجارة البحرية العالمية. الريادة الصناعية والطاقية: استقطاب شركات عالمية عملاقة في قطاعات صناعة السيارات والطيران، والطاقات المتجددة (مجمع “نور” ورزازات ومشاريع الهيدروجين الأخضر)، مما جعل علامة “صنع في المغرب” مرادفاً للجودة والتنافسية. شبكة القطار الفائق السرعة (البراق): كأول مشروع من نوعه في إفريقيا، جسّد طموح السرعة والتحديث في ربط الأقطاب الاقتصادية الوطنية. الثقافة والرياضة وكأس العالم 2030.. القوة الناعمة والتألق العالمي ولم تقتصر الرؤية الملكية السامية على الاقتصاد والبنيات التحتية، بل امتدت لتشكل إشعاعاً ثقافياً ورياضياً عالمياً غير مسبوق، جعل اسم المغرب يتردد بإعجاب في كبريات المحافل الدولية: النهضة الثقافية والمعمارية: إيلاء عناية خاصة لصيانة التراث وتثمين الذاكرة الوطنية، بالتوازي مع تشييد صروح ثقافية كبرى (كالمسرح الكبير بالرباط والمسرح الكبير بالدار البيضاء)، مما جعل المملكة عاصمة للإشعاع الثقافي والإفريقي والمتوسطي. الرياضة كدعامة للتنمية والإشعاع: الإنجازات التاريخية للرياضة المغربية، وعلى رأسها التوهج العالمي للمنتخب الوطني لكرة القدم، والتي لم تكن محض مصادفة بل ثمرة لرؤية ملكية متبصرة استثمرت في البنية التحتية الرياضية والتأطير والأكاديميات (وفي مقدمتها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم). التتويج التاريخي.. تنظيم كأس العالم 2030: شكل الفوز بالمفاوضات الثلاثية لتنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا وبرتغال محطة فارقة وتاريخية. إن هذا المنجز هو شهادة ثقة دولية صريحة في قدرة المغرب التنظيمية واللوجستية، وتأكيد على مكانته كجسر حضاري يربط بين إفريقيا وأوروبا وبين العالم العربي والغرب. ثورة اجتماعية وسيادة ترابية ودبلوماسية وازنة وقد اقترنت هذه النهضة الشاملة بـ إصلاحات اجتماعية عميقة وضعت الإنسان في صلب الاهتمام، بدءاً من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وصولاً إلى الورش التاريخي لـ تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة، وتحديث مدونة الأسرة كفالةً للتوازن الأسري والعدالة الاجتماعية. وعلى المستوى السياسي والدبلوماسي، اتسمت هذه العقود بالثبات والجرأة في الدفاع عن القضايا الوطنية الأولى، وفي مقدمتها الصحراء المغربية؛ حيث حققت الدبلوماسية المغربية تحت القيادة المباشرة لجلالة الملك اعترافات دولية متتالية وسحب اعترافات بالكيان الوهمي، وفتحت قنصليات عريضة بالعيون والداخلة، معززةً بمبادرة الحكم الذاتي كحل حاسم ووحيد، ومبادرة تمكين دول الساحل من الولوج للأطلسي. العرش والشعب.. ملحمة مستمرة لصنع المستقبل إن السر الحقيقي وراء هذه الإنجازات المتلاحقة في ظرف عقدين وسبع سنوات، يكمن في ذلك الالتحام الوثيق والمتين بين العرش والشعب. إنها الرابطة المتجددة التي سمحت للمغرب بتجاوز الأزمات والتحديات، والعبور بالوطن نحو بر الأمان بكل ثبات واقتدار. إننا في جريدة “أصداء مغربية”، إذ نحتفي بهذه الذكرى المجيدة والملهمة، نجدد العهد مع القارئ والوطن على مرافقة هذا المسار التنموي الكبير. مسارٌ يؤكد يوماً بعد يوم أن المغرب، تحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، لا يكتفي بمواكبة المستقبل، بل يساهم في صناعته وثبات مؤسساته وأبنائه. حفظ الله مولانا الإمام بما حفظ به الذكر الحكيم، وأدام على مغربنا الحبيب نعم الأمن والاستقرار والازدهار.