جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

فجر عهد جديد لشراكة استراتيجية استثنائية متجددة بين المغرب وفرنسا

0 14

جسدت زيارة الدولة التاريخية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة المغربية، تلبية لدعوة كريمة من العاهل المغربي الملك محمد السادس، منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسار العلاقات الثنائية بين الرباط وباريس، حيث طوت هذه الزيارة صفحة الخلافات والفتور الدبلوماسي الذي شاب علاقات البلدين لسنوات، لتفتح فصلاً جديداً أُطلق عليه “الشراكة الاستراتيجية الاستثنائية المتجددة”. وقد انطلقت مظاهر هذا العهد الجديد منذ اللحظات الأولى لوصول الوفد الفرنسي الرفيع المستوى إلى مطار الرباط سلا، حيث كان الملك محمد السادس، مرفوقاً بولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد وأفراد من الأسرة الملكية، في مقدمة مستقبلي الرئيس الفرنسي وعقيلته بريجيت ماكرون. وتميز الاستقبال بمراسم بروتوكولية مهيبة شملت إطلاق 21 طلقة مدفعية ترحيباً بالضيف الكبير، تلاها موكب رسمي مهيب جاب شوارع العاصمة الرباط التي تزيّنت بالأعلام الوطنية للبلدين، حيث اصطفت جموع غفيرة من المواطنين المغابرة لتحية القائدين في مشهد عكس الروابط الشعبية والتاريخية العميقة التي تجمع الشعبين.

وعقب هذا الاستقبال الشعبي والرسمي الحار، عقد الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون مباحثات ثنائية مغلقة في القصر الملكي بالرباط، تمحورت حول سبل تعزيز العلاقات وتنسيق المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وتوّجت هذه المباحثات بتوقيع القائدين على إعلان مشترك يؤسس لشراكة استراتيجية وطيدة تهدف إلى تمكين البلدين من مواجهة التحديات المشتركة بشكل أفضل، وإعادة هيكلة علاقاتهما لتشمل كافة المجالات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، والثقافية، مع التركيز على البعد الإفريقي والمتوسطي لهذه العلاقة.

ولعل الحدث الأبرز الذي طبع الجانب السياسي من هذه الزيارة وجذب أنظار المراقبين الدوليين هو الخطاب التاريخي الذي ألقاه الرئيس إيمانويل ماكرون أمام أعضاء مجلسي البرلمان المغربي. وفي هذا الخطاب، جدد ماكرون بصوت جهوري وموقف حازم تأكيد فرنسا على دعمها الصريح والكامل لسيادة المغرب على صحرائه، معلناً أمام ممثلي الشعب المغربي أن “حاضر ومستقبل الصحراء الغربية لا يمكن أن يكونا إلا تحت السيادة المغربية”. وأكد الرئيس الفرنسي أن مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب عام 2007 يشكل الأساس الوحيد والمنصف للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومتفاوض بشأنه تحت إشراف الأمم المتحدة، متعهداً بأن تلتزم الدبلوماسية الفرنسية بالترويج لهذا الموقف والدفاع عنه في المحافل الدولية والأممية، وهو الموقف الذي قوبل بتصفيق حار ووقوف طويل من قبل البرلمانيين المغاربة، واعتُبر بمثابة ترسيخ قانوني وسياسي للاعتراف الفرنسي الرسمي بمغربية الصحراء.

ولم تقتصر الزيارة على التقارب السياسي الكبير، بل شهدت زخماً اقتصادياً غير مسبوق تجسد في توقيع الطرفين على أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم وعقد تجاري، غطت قطاعات حيوية واستراتيجية بالغة الأهمية، وقُدرت قيمتها الإجمالية بنحو عشرة مليارات يورو. وفي صدارة هذه الاتفاقيات، جاء الإعلان عن شراكة ضخمة لتوسيع خط القطار الفائق السرعة (TGV) ليربط بين مدينتي القنيطرة ومراكش، حيث فازت الشركات الفرنسية، وفي مقدمتها مجموعة “أليستوم”، بعقود توريد عربات القطارات الحديثة وتجهيز البنية التحتية السككية للمشروع، مما يعزز ريادة المغرب القارية في هذا المجال. كما شملت الاتفاقيات تعاوناً واسع النطاق في قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث تم توقيع بروتوكولات تعاون مع شركات فرنسية كبرى مثل “توتال إنيرجيز” و”إنجي” لتطوير مشاريع عملاقة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، تماشياً مع رؤية المغرب للتحول إلى مركز عالمي للطاقة النظيفة. وامتد التعاون الاقتصادي ليشمل قطاع الطيران عبر تعزيز استثمارات شركة “سافران” الفرنسية في صيانة محركات الطائرات وتوسيع منشآتها بالمغرب، بالإضافة إلى اتفاقيات في مجالات تحلية مياه البحر، وإدارة الموارد المائية، والربط البحري، والتعاون المينائي بين موانئ البلدين، لا سيما طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط.

وفي الشق الثقافي والتعليمي والإنساني، حظيت الزيارة بمشاركة وفد فرنسي واسع ضم نخبة من رجال الثقافة والفن والرياضة والمفكرين والكتاب، والعديد من الشخصيات من أصول مغربية الذين يمثلون جسراً إنسانياً حياً بين الضفتين. وتم توقيع عدة اتفاقيات تهدف إلى تعزيز تدريس اللغة الفرنسية ودعم الشبكة المدرسية الفرنسية في المغرب، وتطوير البحث العلمي المشترك بين الجامعات في البلدين. كما تم إطلاق مبادرات جديدة للتعاون في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، وخاصة في مجالات السينما، وألعاب الفيديو، والإنتاج المشترك، وتثمين التراث الثقافي والمتاحف. واكتسى التعاون الرياضي أهمية خاصة في ظل التحضيرات الجارية لتنظيم المغرب لبطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2030، حيث تم الاتفاق على تبادل الخبرات في تنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى وتأهيل البنى التحتية الرياضية.

وعلى الصعيد الأمني وإدارة ملف الهجرة، بحث وزيرا الداخلية في البلدين آليات تعزيز التنسيق الأمني والتعاون الاستخباراتي لمكافحة الجريمة المنظمة، والإرهاب، وشبكات تهريب البشر. وتم التأكيد على ضرورة العمل المشترك لإدارة تدفقات الهجرة بشكل منظم وإنساني، من خلال تسهيل منح التأشيرات للفئات المهنية والطلابية ورجال الأعمال والمثقفين لتشجيع الحركية المشروعة، بالتزامن مع تعزيز إجراءات إعادة المهاجرين في وضعية غير نظامية وفق إطار يحترم كرامة الأفراد والقوانين الجاري بها العمل في البلدين.

واختتمت هذه الزيارة الاستثنائية بإقامة مأدبة عشاء رسمية فاخرة أقامها الملك محمد السادس على شرف الرئيس إيمانويل ماكرون وعقيلته والوفد المرافق له بقصر الضيافة بالرباط، والتي شكلت تتويجاً لثلاثة أيام من المباحثات واللقاءات المكثفة. وقد غادر الوفد الفرنسي المغرب حاملاً معه رؤية استراتيجية واضحة ومكاسب متبادلة، حيث نجحت الزيارة في نقل العلاقات المغربية الفرنسية من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة البناء المشترك للمستقبل، واضعةً ركائز صلبة لتحالف وثيق يربط ضفتي المتوسط ويسهم في استقرار وتنمية الفضاءين الأوروبي والإفريقي على حد سواء.

أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!