شهد إقليم ورزازات، التابع لجهة درعة تافيلالت، جولة ميدانية واسعة في اطار فعاليات المعرض الجهوي للمنتجات المجالية والذي نظم من طرف غرفة الفلاحة لجهة درعة تافيلالت تحت اشراف الخبير عبد الكريم ايت الحاج قادها فريق صحفي وإعلامي بهدف رصد وتحليل الدينامية التنموية الفلاحية والتعاونية التي تشهدها المنطقة، تماشياً مع التوجهات الاستراتيجية الكبرى للمملكة المغربية المنبثقة عن مخطط “المغرب الأخضر” وامتداده الحالي المتمثل في استراتيجية “الجيل الأخضر”. وتأتي هذه الزيارات الاستطلاعية لتفتح نافذة إعلامية تسلط الضوء على الجهود المبذولة لتثمين المنتجات المجالية، ودعم الفلاحة التضامنية، وإبراز مدى قدرة العنصر البشري المحلي على الابتكار والتأقلم مع الخصوصيات المناخية والبيئية للإقليم.
وقد شكلت هذه الجولة فرصة مواتية لربط جسور التواصل بين الحقل الإعلامي والمنظومة التعاونية والإنتاجية، بهدف المساهمة في الترويج والتعريف بالمؤهلات الاقتصادية والاجتماعية التي تذخر بها هذه الرقعة الجغرافية من الوطن، مع التركيز على المشاريع والمبادرات الرائدة التي أصبحت تشكل رافعة حقيقية للتنمية المحلية ومحاربة الهشاشة في العالم القروي.
بدات الزيارة الأولى لهذا الإستطلاع الصحفي لتشمل قطاع الفلاحة العضوية والمستدامة من خلال زيارة ضيعة “إزا أروم” النموذجية المخصصة للإنتاج البيولوجي للأعشاب الطبية والعطرية. وتعتبر هذه الضيعة تجسيداً حياً للابتكار الأخضر، حيث يعتمد القائمون عليها على معايير صارمة في الإنتاج العضوي الخالي من المواد الكيماوية، مستغلين في ذلك المناخ الجاف والملائم الذي يمنح الأعشاب خصائص علاجية وعطرية مركزة، مما يفتح أمام الإقليم آفاقاً واعدة لولوج الأسواق العالمية المهتمة بالصناعات التجميلية والطبية الحيوية، ويقدم برهاناً ساطعاً على إمكانية تحقيق مردودية اقتصادية عالية مع الحفاظ الكامل على المنظومة البيئية المحلية.
خطارة عين المخزن. كانت ضمن الجولة الثانية ، هذه المعلمة المائية العريقة، التي تعود إلى قرون مضت، جسدت أمام أعين الوفد الصحفي ذاكرة المكان وعمق الارتباط بين الإنسان والمجال في واحات درعة وتافيلالت. لقد شكلت زيارة الخطارة لحظة استحضار لتاريخ طويل من الكفاح ضد ندرة المياه، حيث اعتمد الأهالي على هذه المنشآت التقليدية لتأمين الري والسقي، وضمان استمرارية الحياة في بيئة قاسية. الوقوف عند عين المخزن كان بمثابة عودة إلى الجذور، وإلى عبقرية الأجداد الذين ابتكروا أنظمة هندسية متقدمة بوسائل بسيطة، لكنها فعّالة في مواجهة التحديات الطبيعية. هذا التلاقي بين الماضي والحاضر، أبرز أن التنمية المستدامة في الجهة لا تقوم فقط على الابتكار والتكنولوجيا، بل أيضاً على صون التراث المائي والمعماري، باعتباره جزءاً من الهوية الجماعية ورافعة للوعي البيئي. وهكذا، فإن المعرض في ورزازات جسّد رؤية شمولية تجعل من المنتجات المجالية ومن المعالم التاريخية معاً عناصر متكاملة في مشروع التنمية، حيث يلتقي الاقتصاد بالثقافة، والحداثة بالأصالة، في سبيل بناء مستقبل أكثر إشراقاً للواحات والمناطق الجبلية.
كانت محطة وحدة الحليب من أبرز اللحظات التي عكست قيمة هذا القطاع الحيوي في الجهة. فقد شكلت هذه الوحدة نموذجاً حياً لكيفية تحويل الموارد المحلية إلى منتجات ذات جودة عالية، تستجيب لمتطلبات السوق وتساهم في تعزيز الأمن الغذائي الوطني. لقد أتيحت الفرصة للوفد الزائر للاطلاع على مختلف مراحل الإنتاج، من جمع الحليب وتبريده، مروراً بعمليات المعالجة والتصنيع، وصولاً إلى التعبئة والتوزيع. كما لمس الجميع الجهود المبذولة في مجال مراقبة الجودة، واعتماد معايير صحية صارمة تضمن سلامة المستهلك وتكسب ثقة الأسواق. اللقاء مع المشرفين والمهنيين داخل الوحدة أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع، مثل ضرورة تطوير سلاسل التوزيع، وتوسيع قاعدة التعاونيات، وتوفير الدعم التقني والمالي للكسابة الصغار. في المقابل، تم التأكيد على الفرص الواعدة التي يتيحها الاستثمار في قطاع الحليب، سواء من حيث خلق فرص الشغل للشباب والنساء، أو من حيث تعزيز القيمة المضافة للاقتصاد المحلي. زيارة وحدة الحليب لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل جسدت تفاعلاً مباشراً مع الفاعلين الميدانيين، وأظهرت أن المنتجات المجالية، بما فيها الحليب ومشتقاته، قادرة على أن تكون رافعة حقيقية للتنمية المستدامة في الواحات والمناطق الجبلية، وأنها تمثل رمزاً لصمود الإنسان المحلي وإبداعه في مواجهة التحديات الطبيعية والاقتصادية.
وفي نفس السياق المرتبط بتثمين الثروات الفلاحية للإقليم، انتقل الفريق الصحفي لزيارة تعاونية “الحسنية” لإنتاج زيت الزيتون، وهي الزيارة التي عكست بوضوح دور التكتلات التعاونية في هيكلة سلسلة الزيتون التي تعد من الركائز الأساسية للفلاحة بورزازات.
وقد عاين الفريق الصحفي في عين المكان آليات العصر الحديثة التي تضمن استخلاص زيت بكر ممتاز بمواصفات عالية، حيث تساهم هذه التعاونية بشكل مباشر في تنظيم عملية جني وتسويق وتثمين الزيتون، مما يضمن للفلاحين الصغار هامش ربح عادل يحميهم من مضاربات الوسطاء، علاوة على الدور المحوري الذي تلعبه هذه التعاونية في إدماج المرأة القروية وتفعيل مقاربة النوع الاجتماعي، من خلال إتاحة فرص عمل تضمن لهن الاستقلالية المادية وتطوير مهاراتهن المهنية. وفي ختام هذا الرصد الميداني الشامل، تبرز جلياً نجاعة المخططات التنموية الفلاحية التي جرى تنزيلها على أرض الواقع بإقليم ورزازات، والتي نجحت في تحويل التحديات المناخية والطبيعية إلى فرص حقيقية للاستثمار والتنمية التضامنية، بالرغم من أن التعاونيات والوحدات الإنتاجية لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالولوج إلى آليات التسويق الرقمي الحديث والمساحات التجارية الكبرى، وهو ما يستدعي مواصلة المواكبة والدعم لضمان استدامة هذه المشاريع الرائدة وصيانة الموارد المائية عبر تشجيع الري الموضعي، لتظل الفلاحة التضامنية والمنظومة التعاونية المحرك الأساسي للاقتصاد الاجتماعي بجهة درعة تافيلالت.