خاص // المصطفى بلقطيبية من ورزازات الندوة العلمية التي احتضنها قصر المؤتمرات بورزازات حول موضوع “التثمين المستدام للمنتجات المجالية في مواجهة التحديات البيئية” لم تكن مجرد لقاء نظري، بل شكلت منصة عملية لتبادل الخبرات جمعت مسؤولين وخبراء وباحثين وفاعلين محليين من مختلف المؤسسات، وكل واحد منهم قدّم مداخلة دقيقة تعكس خبرته ومجال تخصصه، مما جعل النقاش ثريًا ومتنوعًا من طرف أسماء بارزة في المجال، مع استحضار أمثلة واقعية من تعاونيات بعينها في جهة درعة تافيلالت. افتتح اللقاء كل من رئيس الغرفة الفلاحية لجهة درعة تافيلالت عبد الكريم أيت الحاج ومدير الغرفة الفلاحية أهرو أبو الشريف، حيث أشارا إلى أن الجهة تضم أكثر من 1200 تعاونية فلاحية نشطة، منها حوالي 400 تعاونية متخصصة في التمور، و250 تعاونية في النباتات الطبية والعطرية، إضافة إلى تعاونيات العسل والصناعة الغذائية التقليدية. وأكدا أن هذه التعاونيات توفر ما يقارب 15 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتساهم بنسبة تقارب 12% من الناتج المحلي الفلاحي للجهة. في الجلسة الأولى، التي أدارها أحمد رمضان عن المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بورزازات، تم تقديم عرض حول تثمين تمور “داود فنيسي”. وأوضح أن إنتاج هذا الصنف يصل إلى حوالي 30 ألف طن سنويًا في واحات زاكورة والرشيدية، وأن تثمينه عبر وحدات التلفيف والتعليب ساعد على رفع نسبة التسويق المنظم إلى 60% بدل البيع العشوائي. كما استعرض تجربة تعاونية الواحة للتمور بزاكورة التي تضم أكثر من 200 منخرط وتنتج سنويًا ما يقارب 1500 طن من التمور المعلبة، وتصدر منها حوالي 20% نحو أسواق أوروبية وخليجية. كما تناول الباحثون موضوع النباتات الطبية والعطرية، حيث أشاروا إلى أن الجهة تنتج ما يقارب 500 طن سنويًا من الأعشاب العطرية مثل الزعتر والخزامى والشيح، وأن تعاونيات مثل أزهار الأطلس بالنقوب تمكنت من استخلاص حوالي 10 أطنان من الزيوت الأساسية سنويًا، يتم تسويق نصفها نحو الخارج. أساتذة جامعة ابن زهر أكدوا أن إدماج البحث العلمي ساعد على تحسين طرق الاستخلاص ورفع القيمة المضافة بنسبة 30% خلال السنوات الأخيرة. وفي نفس الجلسة، قدّم خبراء من المركز الجهوي للمعهد الوطني للبحث الزراعي بالرشيدية عرضًا حول دبس التمر “تحلاوت”، موضحين أن إنتاجه السنوي يناهز 200 طن، وأن تجربة تعاونية تحلاوت بالرشيدية ساعدت على تحسين الجودة وتطوير علامة تجارية خاصة، مما رفع حجم المبيعات بنسبة 40% خلال ثلاث سنوات. أما الجلسة الثانية، التي ترأسها إدريس لطيف، المندوب الجهوي لمكتب تنمية التعاون، فقد خُصصت لموضوع التعاونيات الفلاحية. وأوضح أن التعاونيات في الجهة تستفيد سنويًا من دعم مالي يناهز 50 مليون درهم موجه للتكوين والتمويل الصغير، وأن حوالي 70% من التعاونيات النسائية تمكنت من تحسين دخل منخرطاتها بنسبة تتراوح بين 25 و35%. وفي سياق متصل برهانات التنمية، حظي محور تأهيل العنصر البشري بنقاش معمق خلال أشغال الندوة، حيث برزت المشاركة الوازنة والمحورية للمعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية الفندقية والسياحية بورزازات في شخص مديره السيد محمد أختوش. وأكد السيد أختوش على الدور الاستراتيجي الذي يلعبه قطاع التكوين الفندقي والسياحي في مواكبة وتثمين منتجات المجال الترابي، مشيراً إلى أن معاهد التكوين تعد حلقة الوصل الأساسية لإدماج هذه المنتجات المحلية في الدورة الاقتصادية والسياحية، عبر تكوين كفاءات قادرة على الابتكار في أساليب العرض، والضيافة، والترويج السياحي الذي يزاوج بين أصالة الطبخ المغربي وتثمين خيرات الواحات والمناطق الجبلية بالجهة. وقدّم ممثل المعهد المتخصص في التكنولوجيا التطبيقية الفندقية والسياحية بورزازات مثال تعاونية نساء ورزازات للصناعة الغذائية التقليدية، التي تضم 60 عضوة وتنتج سنويًا حوالي 25 طنًا من الحلويات والكسكس التقليدي، يتم تسويق نصفها في الفنادق والمراكز السياحية. كما تناول أساتذة جامعة القاضي عياض بمراكش موضوع حماية علامات الجودة، مستشهدين بتجربة تعاونية الأطلس للعسل بقلعة مكونة، التي تنتج حوالي 40 طنًا من العسل سنويًا، وحصلت على شهادة الجودة، مما ساعدها على رفع سعر البيع بنسبة 20% مقارنة بالمنتجات غير الموثقة. كما شهدت فعاليات الندوة تقديم مداخلة علمية متميزة حظيت باهتمام بالغ من طرف الباحثين والمهتمين بالتنمية المجالية، ألقاها البروفيسور الحسين زكو، أستاذ مادة الكيمياء بالكلية متعددة التخصصات بورزازات التابعة لجامعة ابن زهر. وتمحور هذا العرض الأكاديمي القيم حول موضوع منتجات المجال الترابي وتقنيات استخلاص المواد الطبيعية من النباتات الطبية والعطرية، حيث شكّل حلقة وصل أساسية ورصينة بين البحث العلمي المختبري والتطبيق العملي والاقتصادي في المجال الواحاتي والجبلي لجهة درعة تافيلالت. واستهل الأستاذ الباحث عرضه بالمرتكزات الكيميائية والبيولوجية التي تجعل من المنظومة البيئية للمنطقة خزانًا استثنائيًا ومختبرًا طبيعيًا لإنتاج الجزيئات الحيوية والمواد النشطة (Bioactive compounds) ذات القيمة العلاجية والاقتصادية العالية. وأوضح أن التثمين الحقيقي لهذه الثروة النباتية لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد على الأساليب التقليدية وحدها، بل يمر حتمًا عبر اعتماد تقنيات الاستخلاص الحديثة والمطورة (Extraction techniques) كعامل حاسم في الحفاظ على سلامة المكونات والزيوت الطيارة والنشطة للنباتات دون إتلافها، مما يرفع من مردودية وجودة الزيوت الأساسية والمستخلصات المنتجة محليًا ويضمن مطابقتها لعمليات القياس والمعايرة الدولية (Standardization) المعمول بها في الأسواق العالمية. وفي ختام هذه المداخلة، فتح البروفيسور الحسين زكو آفاقًا واعدة للتنمية المجالية المستدامة بالجهة، مشددًا على ضرورة الانتقال من منطق بيع النباتات الطبية والعطرية كمواد خام، نحو تشجيع الصناعات التحويلية المحلية. وأكد أن استثمار نتائج البحث العلمي في تطوير هذه المستخلصات الطبيعية سيتيح للتعاونيات المحلية وللشباب حاملي المشاريع فرصًا حقيقية لولوج قطاعات صناعية رائدة مثل مواد التجميل، المكملات الغذائية، والصناعات الصيدلانية، مما يساهم بشكل مباشر في خلق ثروة محلية مستدامة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية بالمنطقة. وفي ختام الندوة، تم فتح باب النقاش أمام الفاعلين المحليين والمهنيين والباحثين، حيث تم الاتفاق على بلورة توصيات عملية من شأنها دعم السياسات العمومية المرتبطة بالفلاحة التضامنية، وتعزيز تنافسية التعاونيات الإنتاجية على الصعيدين الوطني والدولي. وقد أكدت هذه التوصيات على ضرورة الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا، وتشجيع الابتكار في تثمين المنتجات المجالية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص، وحماية التراث المحلي وربطه بالأسواق العالمية. وقد شكلت الندوة منصة للتفكير الجماعي حول مستقبل المنتجات المجالية في جهة درعة تافيلالت، وكيفية جعلها أداة للتنمية المستدامة ومواجهة التحديات البيئية، ودعوة إلى تحويل الموارد المحلية إلى مشاريع اقتصادية واجتماعية متكاملة، قادرة على خلق الثروة، تثبيت السكان في مناطقهم، وحماية البيئة في آن واحد. ومن بين التوصيات تم الاتفاق على ضرورة رفع نسبة التعاونيات المهيكلة من 40% إلى 70% في أفق سنة 2030، وزيادة حجم الصادرات من المنتجات المجالية بنسبة 50% خلال نفس الفترة، مع التركيز على إدماج الشباب والنساء في مشاريع تثمين الموارد المحلية. وتميزت أشغال الجلسة الثالثة من الندوة بنقاشات عميقة وتوصيات جوهرية، انصبت في مجملها حول سبل الارتقاء بمنتجات المجال الترابي، وفتح آفاق حقيقية لولوج الأسواق الوطنية والدولية، معتبرة الانتقال من منطق التثمين التقليدي إلى التنمية المجالية الشاملة ضرورة ملحة لكسب رهانات المستقبل. انطلقت الجلسة الثالثة في تمام الساعة الواحدة وأربعين دقيقة ظهراً، تحت إشراف وتسيير محكم من طرف السيد عبد العزيز العزوزي، ممثلاً للوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان (ANDZOA). وقد استهل الجلسة بكلمة توجيهية أكد فيها على الأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها المنتجات المجالية في خلق الثروة وتثبيت الساكنة المحلية في بيئتها الطبيعية. بينما تولى مهمة مقرر الجلسة السيد سفيان هاشم، عن الغرفة الفلاحية لجهة درعة تافيلالت، لتدوين الخلاصات والمقترحات التي تفضل بها السادة المتدخلون والحضور. في أولى المداخلات، قارب السيد محمد لغزيل، المدير الجهوي للمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، موضوع “مفهوم المبادرة المقاولاتية لدى التنظيمات المهنية الفلاحية”. وركز العرض على ضرورة تحويل التعاونيات والجمعيات الفلاحية من مجرد تنظيمات لجمع المنتوج إلى مقاولات حقيقية تمتلك آليات التدبير الحديث، والقدرة على المنافسة الابتكارية لضمان ديمومة أنشطتها الاستثمارية. من جانبه، قدم الدكتور رضوان علمي، أستاذ وباحث بالكلية متعددة التخصصات بورزازات، قراءة أكاديمية وتشخيصاً ميدانياً معمقاً حول “تحديات تسويق منتجات المجال الترابي بجهة درعة تافيلالت: الواقع، الآفاق والحلول”. واستعرض الباحث أبرز الإكراهات الهيكلية والتسويقية التي تواجه المنتجين، مقدماً في الوقت ذاته مصفوفة من الحلول العلمية والعملية المقترحة لتجاوز معضلة الوساطة التجارية وضعف قنوات التوزيع. واختتمت سلسلة العروض بمداخلة قيمة للسيد عبد الله سويق، رئيس الشبكة المغربية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والتي تمحورت حول دور “الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كرافعة لتنمية الواحات والمناطق الجبلية”. حيث سلط الضوء على البعد الإنساني والتضامني لهذا النمط الاقتصادي الذي لا يهدف للربح المادي الصرف، بل يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية بالمنطقة. وختاما شهدت الجلسة الثالثة كمثيلاتها نقاشاً حاداً ومثمراً بين المشاركين والحضور؛ حيث أجمع المتدخلون في توصياتهم على ضرورة رقمنة قنوات التسويق للمنتجات المحلية، والدعوة لتكثيف برامج التكوين والمواكبة المستمرة للمرأة الواحاتية والشباب المقاول بالمنطقة لضمان تنافسية حقيقية في الأسواق المعاصرة.