قبل خمسين عاماً، حين صدح صوت المغفور له الحسن الثاني بنداء المسيرة، لم يخرج المغفور لهم بإذن الله ومعهم مئات الآلاف من المتطوعين بحثاً عن غنيمة أو منصب، بل خرجوا يحملون أرواحهم على أكفهم، وسلاحهم “مصحف وعلم”. تلك اللحظة لم تكن مجرد مناورة سياسية، بل كانت “انفجاراً” للروح الوطنية التي جسدها المواطن المغربي البسيط؛ ذلك الذي ترك محراثه في الحقل، وتلك التي تركت رضيعها في البيت، ليلبوا نداء الوطن في ملحمة صامتة الأنفاس، عظيمة الأثر. إنني، ومن خلال عقود من المواكبة الإعلامية والزيارات الميدانية التي وثقتها في كتابي المرتقب “أنا والمسيرة الخضراء: شهادات من قلب الرمال”، أقف اليوم ملياً عند حقيقة يغفل عنها الكثيرون: وهي أن الجيش المغربي الذي رابط على الحدود، والمتطوع الذي سار في الرمال، هما وجهان لعملة واحدة اسمها “المقاومة من أجل السيادة”. فإذا كان الجندي قد حمى الثغور بباروده، فإن المتطوع قد ثبّت الحق بقدَمِه وإيمانه. ولكن، أين نحن اليوم من هؤلاء؟ يؤلمني كإعلامي عاصر هذه الملحمة، أن أرى كثيراً من هؤلاء الأبطال المجهولين يعيشون اليوم في ظل التهميش، يعانون وطأة الظروف الاجتماعية الصعبة، وكأن التاريخ نسي أنهم كانوا يوماً “وقود” المعجزة المغربية. إن إنصاف هؤلاء المتطوعين وإدماجهم في خانة “المقاومين بدون سلاح” ليس ترفاً أو مطلباً فئوياً، بل هو واجب وطني وأخلاقي وتاريخي بامتياز. إن تكريمهم اليوم، بتوفير الرعاية الصحية الكريمة والاعتراف القانوني بتضحياتهم، هو رسالة للأجيال القادمة بأن “الوطن لا ينسى أبناءه”. إننا بإنصافهم، لا نرد لهم الجميل فحسب، بل نحصّن ذاكرتنا الجماعية، ونؤكد أن الدفاع عن الوطن قضية شعب قبل أن تكون قضية دولة. المسيرة الخضراء كانت لحظة إجماع وطني، جسّدت إرادة شعب بأكمله في استرجاع أرضه بالسلام، وأثبتت أن المغرب قادر على أن ينتصر بالحكمة لا بالسلاح. لكن، ومع مرور السنوات، يظل سؤال الإنصاف مطروحاً وإلى الأبد ماذا عن أولئك المتطوعين الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، وساروا في الصحراء ليصنعوا ملحمة القرن؟ كثير منهم اليوم على مشارف الشيخوخة، بعضهم رحل دون أن يرى تكريماً يليق بتضحياته، وآخرون يعانون من ضيق العيش أو عجز عن توفير أبسط تكاليف العلاج. هؤلاء المتطوعون ليسوا مجرد ذكرى عابرة، بل هم جزء من الشرعية التاريخية لقضية الصحراء المغربية. إنهم يستحقون أن يُعاملوا كما يُعامل المقاومون وأعضاء جيش التحرير، وأن يكون لهم حضور رسمي في الاحتفالات الوطنية، بل وأن يُخصَّص لهم دعم مادي ومعنوي يخفف من أعباء الحياة اليومية. إن الاهتمام بهم ليس فقط واجباً أخلاقياً، بل هو رسالة سياسية إلى الداخل والخارج. إلى الداخل، لأنه يثبت للأجيال الجديدة أن الوطن لا ينسى أبناءه الأبرار، ويحفزهم على التضحية من أجل وحدة البلاد. وإلى الخارج، لأنه يذكّر العالم بأن المغرب استعاد صحراءه سلمياً، عبر مسيرة شعبية سلمية، لا عبر السلاح كما يروّج خصوم الوحدة الترابية. لقد آن الأوان لإعادة النظر في التعامل مع هذه الفئة، عبر خطوات عملية واضحة: إن المسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت عقداً بين الوطن وأبنائه. والعقد لا يكتمل إلا بالوفاء. الوفاء للذين صنعوا التاريخ، والوفاء للذين أثبتوا أن المغرب نموذج في النضال السلمي. فتكريم المتطوعين الذين ما زالوا على قيد الحياة لن يكون مجرد مبادرة إنسانية أو اجتماعية، بل سيحمل قيمة سياسية ورمزية كبرى. فلنكرم المتطوعين، لا بالكلمات وحدها، بل بالفعل والإنصاف. لأنهم، ببساطة، يستحقون أن يكونوا في صدارة المشهد، لا في هامشه. عملياً، يمكن أن يتحول هذا التكريم إلى مبادرة وطنية سنوية، تُخصَّص فيها منح أو مساعدات للمتطوعين، ويُقام احتفال رسمي يكونون هم في صلبه، لا مجرد حضور رمزي. كما يمكن إنشاء مجلس شرفي للمتطوعين يُمثلهم في المناسبات الوطنية والدبلوماسية، ليظل صوتهم جزءاً من الشرعية التاريخية للقضية. بهذا الشكل، يصبح التكريم ليس مجرد واجب أخلاقي، بل سلاحاً رمزياً وسياسياً يقطع الطريق على الأعداء ويُظهر أن المغرب لا ينسى أبناءه الأبرار. لقد كانت المسيرة الخضراء “مقاومة سلمية” صنعت نصراً أعجز العالم، واليوم، ونحن في مسيرة للاحتفال بخمسينيتها، يجب أن يكون عنوان المرحلة هو “الإنصاف”. لنجعل من قصص هؤلاء المتطوعين مناهج تُدرس، ومن كرامتهم أولوية تُحترم، حتى تبقى ذاكرتهم شاهدة على أن التضحية من أجل المغرب كانت، وستظل، أغلى ما يملكه الإنسان المغربي.