جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

من عاصفة “ليوناردو” إلى قبة البرلمان البرتغالي: المغرب يصدّر درس الاستباقية ويحرج أوروبا

0 540
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات المناخية وتتعاظم فيه التحديات الإنسانية، يبرز المغرب كقصة نجاح استثنائية في إدارة الأزمات، قصةٍ لا تُروى فقط بالأرقام والإحصاءات، بل تُكتب بالقرار الحازم والإرادة الوطنية التي وضعت الإنسان في صدارة الأولويات. عاصفة “ليوناردو” لم تكن مجرد اختبار طبيعي عابر، بل كانت لحظة فارقة كشفت عن جوهر السياسات العمومية، وعن الفرق بين من يكتفي بردّ الفعل ومن يجرؤ على الفعل الاستباقي.
لقد أثبت المغرب أن حماية الأرواح لا ترتبط بحجم الإمكانيات المادية ولا بمكانة الدولة في سلم التصنيفات الاقتصادية، بل ترتبط بمدى قدرة القيادة على استشراف الخطر وتعبئة المؤسسات والطاقات في وقت قياسي. حينما اختارت السلطات المغربية أن تُطلق أكبر عملية إجلاء استباقي في تاريخ المنطقة، شملت أكثر من مئة ألف مواطن في أقاليم العرائش والقصر الكبير وسيدي قاسم وسيدي سليمان، فإنها لم تكن فقط تُنقذ الأرواح، بل كانت تُعيد تعريف مفهوم السيادة الوطنية باعتبارها مسؤولية عملية ملموسة وليست مجرد شعار سياسي.
وفي المقابل، كشفت الأزمة عن ارتباك بعض الدول الأوروبية أمام نفس التحدي، حيث تحوّل البرلمان البرتغالي إلى ساحة نقاش حاد، يستشهد فيه نواب المعارضة علنًا بالمغرب كنموذج يُحتذى، ويُقارنون بين سرعة التدخل المغربي وبين بطء الاستجابة الحكومية في لشبونة. هذا المشهد البرلماني لم يكن مجرد جدل داخلي، بل كان اعترافًا ضمنيًا بأن المغرب أصبح مرجعًا دوليًا في إدارة الكوارث، وأنه يصدّر الدروس في الفعالية والجاهزية حتى إلى فضاءات أوروبية اعتادت أن تُقدّم نفسها كقدوة.
إن نجاح المغرب في هذه الأزمة يفتح الباب أمام قراءة جديدة لدوره الإقليمي والدولي: فهو لم يعد مجرد بلدٍ يتفاعل مع الأحداث، بل أصبح بلدًا يُصنع منه الحدث ويُستشهد به في المحافل الدولية. لقد غادر المغرب مربع التلقي إلى مربع التصدير، مربع المبادرة والقدرة على إلهام الآخرين. وهذا التحول يعكس عمق الرؤية الاستراتيجية التي تجمع بين الاستباقية في القرار والقدرة على التنفيذ الميداني، بين تعبئة الجيش الملكي والسلطات المحلية، وبين الانفتاح على الإعلام الدولي لتوثيق الإنجاز وإبرازه كدرس عالمي.
إنها لحظة تاريخية تُسجَّل في ذاكرة الشعوب، وتُعيد رسم صورة المغرب كفاعلٍ إقليمي ودولي، يفرض نفسه بالفعل لا بالخطاب، ويُحرج أوروبا بقراراته لا بشعاراته. لحظة تؤكد أن السيادة الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وأن القيادة الرشيدة هي التي تُحوّل الأزمات إلى فرص، وتحوّل الكوارث إلى شهادات على قوة الدولة وصلابة مؤسساتها.
قسم التحرير
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 56 = 58
Powered by MathCaptcha

error: Content is protected !!