جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

القانون الجديد يضع الصحافة تحت وصاية المال

0 976
ما جرى داخل لجنة التعليم والثقافة والاتصال لم يكن نقاشاً عادياً، بل لحظة فارقة تكشف عن أخطر تراجع مؤسساتي عرفته الصحافة المغربية منذ عقود. فالقانون الذي أعاد تنظيم المجلس الوطني للصحافة لم يأتِ ثمرة توافق مهني، بل صيغ على المقاس ليمنح الناشرين ورأس المال اليد العليا، ويقصي الصحافيين من مؤسسة يفترض أنها تحميهم. إن ما يسمى إصلاحاً ليس سوى إعادة ترتيب للمشهد الإعلامي على أسس تهدد استقلالية الكلمة الحرة وتفتح الباب أمام وصاية المال والإشهار.
لحظة دقيقة من تاريخ الصحافة المغربية، يطفو إلى السطح مشروع قانون يعيد تنظيم المجلس الوطني للصحافة، ليكشف عن عمق التوتر القائم بين منطق الإصلاح المؤسسي ومنطق التحكم الاقتصادي. فما جرى داخل لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس المستشارين لم يكن مجرد نقاش تقني حول مواد قانونية، بل محطة مفصلية تؤشر على مسار قد يغيّر وجه المهنة لعقود قادمة.
إن إصرار الحكومة على تمرير المادة الخامسة، ورفضها التعديلات التي تقدمت بها المعارضة والنقابات والمهنيون، يضع الجسم الصحافي أمام واقع جديد، حيث تتراجع سلطة التنظيم الذاتي لصالح هيمنة الناشرين ورأس المال. هذا القانون، الذي صيغ على المقاس، يعيد هندسة المجلس الوطني للصحافة بطريقة تمنح الأغلبية العددية للناشرين وتقصي الصحافيين، ليصبح القرار داخل مؤسسة يفترض أنها تحميهم رهيناً بحسابات المال والإشهار.
إن الحديث عن التوازن والفعالية لا يصمد أمام قراءة دقيقة لتركيبة المجلس، حيث يتم تحييد الصحافيين وإضعاف استقلاليتهم، بينما تُفتح الأبواب أمام فئة “الحكماء” التي لا تمثل سوى امتداداً لنفوذ الناشرين. الأخطر أن هذا المسار يكرس انتقال ضبط حرية التعبير من منطق مهني قائم على الضمير والمسؤولية إلى منطق اقتصادي تتحكم فيه لوبيات المال والنفوذ.
ما يحدث اليوم ليس إصلاحاً، بل إعادة ترتيب للمشهد الإعلامي على أسس تهدد استقلالية الصحافة وتضعف جرأتها، وتفتح الباب أمام مرحلة تُدار فيها الكلمة الحرة بمنطق الوصاية والتحكم. إن حرية التعبير لا تُصادر دفعة واحدة، بل تُفرغ تدريجياً عبر نصوص قانونية، وهذا بالضبط ما يجري تحت قبة البرلمان، في واحدة من أخطر النكسات المؤسساتية التي عرفتها الصحافة المغربية منذ الاستقلال.
تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!