جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

نهاية كروية عربية مبهرة بنكهة “العقل المغربي”

0 470
بقلم الدكتور عبد السلام أقلمون

لا يمكن لكل من تابع النهائي العربي يوم  الخميس 18 دجنبر 2025 بين المغرب والأردن إلا أن يكون سعيدًا بما شاهده خلال أطوار النهائي المبهر، من مستوى كروي لا يتكرر كثيرًا. مباراة تخطّت وعودها، على غير ما جرت به عادة النهائيات حيث يسود الاحتراز والحسابات الدقيقة للتتويج فقط، بما يعني – غالبًا – التضحية المبرّرة بالفرجة.
غير أن هذا اليوم كان استثناءً؛ كانت الفرجة نفسها بطل اللقاء، ومتعة الأداء تحدّت قوانين الكرة.
العجيب أن المباراة أقلعت دون تمهيد، سواء في شوطها الأول أو الثاني. فمع صافرة البداية – وربما قبل أن ينهي المعلقون اعتدالهم الكامل أمام الميكروفون – في الدقيقة الثالثة و36 ث. من بداية المقابلة – يبدع طنان بطريقة خرافية ويهز الشباك من خارج الكرة الأرضية؛ كما يقول المعلقون الرياضيون لقطة من خارج الكوكب. لم يدخل الكرة، وحدها، بقذيفة أشبه بـ«بيركار» في يد مهندس يرسم الزوايا ويقيس نقطة السقوط، بل أدخل الحارس الأردني المتألق معها في سباحة جوية انتهت بارتطامه الخطير بالقائم الأيمن، ليستفيق، بسلام، مكدوماً، والكرة مركونة خلفه في الشباك.
وهنا تحقق قبول التحدي من بعض الظرفاء، الذين أبهجوا هذا العرس الكروي العربي الفاتن بنشاطهم الفكاهي الموازي:
تريدون المغرب؟
«هاكو المغرب… هاكو المغرب… هاكو المغرب».
جوابا على التحدي الذي وسم هذه الفعاليات الكروية الباهرة، وتوج المغرب بطلًا يحب الجميع منازلته وتجريب الفوز عليه، وكأنهم يقولون ضمنا: لا يفوز حقيقة إلا من فاز على المغرب، وما دون ذلك مباراة عادية!! فراهن البعض بحلق الشوارب واللحى، ليرفعوا سقف الإثارة:
«هاتوا المغرب… هاتوا المغرب… هاتوا المغرب».
وفي الأدبيات الملحمية يُوصَف البطل، معجميًا، بأنه: بين البطولة تُبطَل جراحاته، ولا تُبطَل نجادته.
فكان هو المنتخب المغربي أمام السعودية والإمارات… وبقي التحدي الأخير.
ومرة أخرى، قبل أن تعتدل عيون المشاهدين في العالم، وخلال دقيقتين سريعتين، يصعد علوان هداف الأردن والبطولة عاليًا، ويسجل بعنوان كبير رأسية تعيد المباراة إلى حالة من الشدّ والتوتر؛ أو جحيم الأعصاب من الجهتين، وهو ما منح المقابلة قيمة استثنائية كبرى. وبدا أن البطل النقيض يقترب من الوفاء بوعيده:
«هاتوا المغرب… ليجهز عليه النشامى».
وازداد التوتر، حتى صنعت المباراة حبكة درامية موجعة لكل القلوب التي باتت تنتظر الانفراج. بالنسبة للمغرب كان هو التدارك شبه المستحيل، وبالنسبة للأردن كان هو صافرة الخلاص.
لكن عندما دخل حمد الله والشويعر تغيّر كل شيء في الميدان. جاء هدف حمد الله مسجلًا بقدمه وببطنه وبصدره وبفخذه… ولعل قلبه أيضًا «زير السيور» وشارك في إدخال الكرة رأسيا أي من الأسفل إلى الشباك العلوية، على غير طريقة دخولها عادة!! وتقرأ في عيون حمد الله المستنفرة والمتحفزة، أن الهدف لم يكن طبيعيا، فزاد وقوف الحكم لتلقي تعليمات “الفار” الموقف غليانا في أعصاب اللاعبين والمشاهدين والحكام والكرة والعشب… وأخيرا أفرج الحكم عن إمكانية فرح ترجمها حمد الله بما يشي بأن حالة الطوارئ أُعلنت في أحشائه العميقة، وأنه يقول للجميع: أنا هدّاف استثنائي، في يوم استثنائي. أو هو يقول لكل الذين لم يقدروا قيمته: أضاعوني وأين فتى أضاعوا. أنا الغليادور الذي لا يعرف غير التهديف، رغم الضغوط والتمر وسوء التقدير، الجواب ليس في الناب، ولكن في الفوز بالذهب.
ثم عاد، ليخجل كل المشككين في قيمته الكروية، بحركته الرياضية البديعة، حيث فتح صفحة قدمه محلّقًا بكل أعضاء جسمه لتسهيل ذلك الانفتاح الجاد، ومنع أي احتمال لملامسة غير محسوبة قد تُفلت فرصة العمر. صافح الكرة بوجه قدمه اليمنى، ورافقها بنظراته البراقة وهو في هبوطه الآمن أمام حتى المرمى. لوحات لهذا اللاعب لن تنسى منذ مباراة الإمارات، وحتى تتويجه الأخلاقي من طرف حريمات بشارة العميد، واستقدامه لمشاركة في حمل الكأس إلى المنصة عرفانا وتقديرا. وهذه أيضا أخلاق مغربية تشع على العالم بعد: رضات الوالدين، والتعامل النبيل مع المحبين من ذوي الهمم، وتغطية الأطفال من الأمطار بفانيلاتهم… يقولون بأفعالهم: إنما الأمم الأخلاق، في كل الميادين.
كان الفوز للمغرب، وكان الفوز لحمد الله، والسكيتيوي، وطنان… ولكل الشباب الذين استبسلوا بشكل خرافي أمام خصم محترم، شكّل تحديًا حقيقيًا بشكل جعل الفوز ثمينًا. فقد بذل المنتخب الأردني بدوره جهودًا لم تكن معهودة، وهو ينطلق هذه المرة ليحقق شيئًا طالما هرم الأردنيون وهم ينتظرونه.
حتى إن الإطار المغربي القدير جمال السلامي قال – وهو يلبس روح الأردنيين وقميصهم معًا باحترافية محترمة – إن المغرب لن يخسر شيئًا إذا لم يفز، بينما سيربح الأردن الكثير. كان ذلك أشبه بتنويم مغناطيسي، رفضه إطار آخر مهر الكرة في الملاعب بحركاته السحرية وكفاءته المشهودة عالميًا، حين قال: الفيصل هو الميدان، والفوز خيار وحيد ما لم نُجبر على غيره، ولن ننخدع بالتنويم.
هنا كانت المنازلة الجميلة والحافلة بالدلالات، لا بين فريقين فقط، بل بين كادرين متألقين يمثلان جودة العقل المغربي في تحليل المعطيات، وتوظيف المتاح، وتشخيص كل مباراة على حدة، ووضع المخططات التي أظهرت انضباط اللاعبين واضحًا بالعين المجردة.
كانت المنازلة على مستوى تدبير المشهد والتخطيط لإنتاج النصر قوية إلى درجة أن المباراة عكست تلك المراوحة الهتشكوكـية بين: فوز المغرب، تعادل، ثم فوز الأردن، تعادل؛ قبل أن يُحسم الأمر بفوز صعب ونهائي ورائع للمغرب.
ثم، فاز أرشيف كرة القدم العالمية بمباراة كروية ستُدرّس طويلًا، صنعها العقل المغربي فريقًا فائزًا، وخصمًا متحديًا.
وصنعها أيضا سياق تننظيمي قطري باهر بكل المقاييس، وهو ما خلق إطارا للمتعة، تحتضنه بنيات تحتية جبارة، وعملية تدبيرية رائدة. وكلها إشارات تدل على أن العقل العربي بخير، وأن كلمته قد تنتقل قريبًا إلى حقول السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والوحدة.
تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!