في مثل هذه الأيام، حين نستحضر ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة، لا نستعيد فقط حدثاً تاريخياً صنعه الشعب المغربي بإرادة جماعية قلّ نظيرها، بل نستحضر أيضاً روحاً متجددة من الوحدة الوطنية والالتفاف حول العرش، روحاً تجعل من كل محطة سياسية امتداداً لذلك العهد الأبدي بين الملك والشعب.
إن مقترح الحكم الذاتي بالصحراء المغربية ليس مجرد ورقة تفاوضية، بل هو تجسيد حيّ لروح المسيرة الخضراء، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، وحيث تتحول الذاكرة الوطنية إلى مشروع سياسي وتنموي يضمن الكرامة والازدهار لأبناء الأقاليم الجنوبية في إطار السيادة المغربية الكاملة. وكما حملت المسيرة الخضراء القرآن والعلم، فإن المبادرة المغربية تحمل اليوم قيم المشاركة، الديمقراطية، والتنمية، لتؤكد أن المغرب لا يكتفي بالدفاع عن وحدته الترابية، بل يبني نموذجاً يحتذى به في الاستقرار والتعايش.
لقد عبّرت الرباط عن إرادة سياسية صلبة، وهي إرادة لا تنفصل عن ذلك النداء الذي أطلقه جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله قبل خمسين عاماً، حين دعا المغاربة إلى الزحف السلمي نحو الصحراء. واليوم، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، تتجدد الدعوة في صيغة جديدة: دعوة إلى تحيين مبادرة الحكم الذاتي، وإلى جعلها أكثر وضوحاً وتفصيلاً، حتى تكون مرآة لنهضة المغرب ومكانته الدولية.
أصداء مغربية ترى أن هذه اللحظة ليست فقط محطة سياسية، بل هي مناسبة وطنية للاحتفال بروح الإجماع، وللتأكيد أن الحكم الذاتي هو ثمرة مسيرة خضراء ثانية، مسيرة مؤسساتية وتنموية، تفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال القادمة، وتحوّل الأقاليم الجنوبية إلى فضاء إشعاع إفريقي ودولي.
فكما كانت المسيرة الخضراء ملحمة سلمية صنعت التاريخ، فإن الحكم الذاتي اليوم هو ملحمة سياسية وتنموية تصنع المستقبل.