في مشهد يعكس التداخل المقلق بين النفوذ السياسي وشبكات الاتجار الدولي، كشفت سلطات ميناء روتردام الهولندي عن احتجاز يخت سياحي فاخر يُعتقد أنه مملوك لخالد تبون، نجل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وذلك بعد تلقيها مذكرة من الشرطة الدولية تفيد باستخدام المركب في عمليات تهريب كميات من الكوكايين إلى أوروبا.
التحقيقات الأولية التي باشرتها السلطات الهولندية أظهرت أن المركب مسجل باسم خالد تبون عبر شركة وسيطة دولية، وأنه كان موضوع بحث دولي منذ سنوات، بعد ورود اسمه في ملفات تتعلق بالإتجار بالمخدرات الصلبة. الوثائق التجارية والقضائية تشير إلى أن اليخت استُخدم لتسليم شحنات من الكوكايين لتجار في أعماق الشواطئ الأوروبية، ما جعله محورًا لعملية أمنية دقيقة انتهت بحجزه في ميناء روتردام.
ما إن علم نجل الرئيس الجزائري بمداهمة اليخت، حتى غادر الأراضي الأوروبية بشكل عاجل، وسط تحركات دبلوماسية جزائرية مكثفة هدفت إلى احتواء القضية قبل أن تصل إلى الإعلام الدولي. وفد رسمي من قصر المرادية وصل إلى هولندا في وقت قياسي، في محاولة لطمس آثار الملف وتفادي تداعياته على صورة النظام الجزائري، خاصة وأن القضية تتزامن مع استمرار الجدل حول ملف “البوشي”، الذي سبق أن اتُهم فيه خالد تبون بإدخال كميات ضخمة من الكوكايين إلى الجزائر سنة 2018.
اللافت أن اسم نجل الرئيس يتكرر في أكثر من ملف مرتبط بالمخدرات، سواء داخل الجزائر أو في أوروبا، ما يطرح علامات استفهام حول مدى جدية السلطات في التعامل مع هذه القضايا، وحول قدرة القضاء على مساءلة أبناء السلطة حين تتقاطع مصالحهم مع شبكات الجريمة المنظمة.
في الجزائر، لا تزال محاكمة المتورطين في قضية “البوشي” معلقة منذ سنوات، رغم خطورة الملف وتشعبه، وهو ما يُفسَّر لدى كثيرين بمحاولات لتفادي مثول خالد تبون أمام القضاء، خاصة وأن اعترافاته السابقة كشفت عن تورط شخصيات نافذة في النظام السابق، قبل أن يُفرج عنه في ظروف غامضة قبيل تولي والده منصب الرئاسة.
هذه الفضيحة الجديدة، التي تتجاوز حدود الجزائر لتصل إلى قلب أوروبا، تعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن تحقيق العدالة حين يكون المتهم من أبناء السلطة؟ وهل تملك الصحافة الاستقصائية القدرة على كشف الحقيقة وسط محاولات التعتيم والتضليل؟ في ظل هذا المشهد، يبقى الأمل معقودًا على يقظة الإعلام الحر، وعلى إرادة الشعوب في مساءلة من يظنون أنفسهم فوق القانون.
القضية أثارت موجة من الغضب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر جزائريون عن استيائهم من “العدالة الانتقائية” و”الحصانة غير المعلنة” التي يتمتع بها أبناء المسؤولين بالجزائر. في المقابل، التزمت وسائل الإعلام الرسمية الصمت، ما زاد من حدة الشكوك حول استقلالية المؤسسات.
هذه القضية تطرح إشكالية عميقة في النظام الجزائري حيث يتداخل النفوذ العائلي مع مؤسسات الدولة، ويُطرح سؤال جوهري: هل يمكن تحقيق العدالة حين يكون المتهم من أبناء السلطة؟ وهل تملك الصحافة الاستقصائية القدرة على كشف الحقيقة في ظل الرقابة والتضييق؟