في بلاد تنهشها المضاربة، ويُحاصر فيها الضعيف بين شجع المحتكرين وصمت المسؤولين، و تقاعس لجن المراقبة و لجمها، خرج صوت عبد الإله، بائع السمك، كصرخة مدوية تكشف وجهًا آخر من أوجه الفساد الذي ينخر البلاد، ويزيد من قهر الفئات الهشة التي تدفع الثمن دائمًا و الى تصدع السلم الاجتماعي حد التدمر و الاحتقان،
لم يكن هذا الرجل سوى تاجر بسيط يكسب قوته بشرف، لكنه اصطدم بلوبيات تتاجر في أقوات الناس، تتحكم في الأسواق، وترفع الأسعار بلا رحمة، فتزيد الغني غنًى، وتغرق الفقير في دوامة الحاجة واليأس.
المضاربة.. سرطان ينخر الاقتصاد ومعيشة المواطن
في كل ركن من البلاد، تتكرر نفس الحكاية: مضاربون يتحكمون في الأسعار، ينهبون الأسواق، ويتركون المواطن البسيط عاجزًا أمام الغلاء الفاحش. إنها نفس الأيادي الخفية التي تعبث بثروات هذا الوطن، ترفع الأسعار متى شاءت، وتحتكر المواد الأساسية، غير آبهة بالمعاناة اليومية للمواطن
ليس سوق السمك وحده من يعاني، بل كل الأسواق، من الخضر إلى اللحوم، من المحروقات إلى المواد الغذائية، كلها رهينة لأقلية جشعة تمتص دماء الفقراء، وتدفع بالبلاد نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي. بينما المواطن يئن تحت وطأة الأزمات، ينعم السماسرة والمضاربون بأرباحهم الفاحشة، يراكمون الثروات على حساب جوع الآخرين، بينما يبقى التدبير السيئ والتواطؤ الصامت هو سيد الموقف!
الاحتقان الاجتماعي.. نار تحت الرماد
ما كشفه بائع السمك ليس مجرد فساد في قطاع واحد، بل هو نموذج لمنظومة بأكملها فقدت توازنها، وأصبحت سوقًا مفتوحة لمن يدفع أكثر، دون رادع أو محاسبة والأسوأ أن المواطن، الذي بالكاد يجد ما يسد به رمقه، صار رهينة لهذه الفوضى التي لا ترحم، حيث كل شيء يرتفع: الأسعار، الضرائب، تكاليف المعيشة… إلا الأجور التي بقيت جامدة، وأحلام العيش الكريم التي تتلاشى يومًا بعد يوم.
في بلد يُفترض أن يكون غنيًا بثرواته، يجد المواطن نفسه في مواجهة لا متكافئة مع قوى المال والنفوذ، التي حولت الاقتصاد إلى ساحة معركة لا رابح فيها سوى المضاربين. والأسواق التي كان يُفترض أن تكون فضاءً للتنافس العادل، تحولت إلى ميادين احتكار لا مكان فيها للصغار، حيث من يرفض الانصياع للقواعد غير المكتوبة يُسحق دون رحمة.
من ينصف المواطن؟
اليوم، وبعد التوجيهات الملكية بإنصاف بائع السمك وإعادة اعتباره، تطرح الأسئلة الحقيقية نفسها: إلى متى سيظل المواطن المغربي رهينة لهذه الأوضاع؟ متى ستتم محاسبة لوبيات الفساد والمضاربة؟ ومتى سيتوقف هذا النزيف الذي يدفع فاتورته الفقير وحده؟
إن ما نحتاجه ليس فقط رد الاعتبار لهذا التاجر، بل اجتثاث جذور الفساد التي جعلت من حياة المغاربة جحيمًا يوميًا. نحن بحاجة إلى قرارات حقيقية تعيد ضبط السوق، تفرض الشفافية، تردع الجشع، وتمنح المواطن المغربي حقه في العيش بكرامة، بعيدًا عن هذا الاستغلال البشع الذي ينخر كل القطاعات.
لقد وصل السيل الزبا! إن قضية بائع السمك هي جرس إنذار جديد، لكنها ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. فإما أن يتم وضع حد لهذا العبث الاقتصادي، وإما أن تستمر معاناة الفقراء والمهمشين الذين يدفعون الثمن كل يوم، في انتظار عدالة قد تأتي أو لا تأتي!
انصاف عبد الاله
بتوجيهات سامية من جلالة الملك محمد السادس، استقبل والي جهة مراكش آسفي، السيد فريد شوراق، في مكتبه الشاب عبد الإله، ابن مدينة مراكش، المعروف بـ”بائع السمك”، الذي كشف عن لوبيات المضاربات في أسواق الأسماك. وخلال اللقاء، أكد الوالي على استعادة عبد الإله لكافة حقوقه، مع منحه الإذن بإعادة فتح محله واستئناف نشاطه التجاري. كما تم تمهيد الطريق أمامه للعودة إلى سوق الجملة بمدينة مراكش، ليواصل عمله بكل حرية وعدالة.
وفي هذا السياق، فإن تفاعل جلالة الملك محمد السادس نصره الله و ايده ، مع هذه الفضيحة يُعتبر إشارة واضحة إلى أن وقت المحاسبة قد حان
فقرار الملك السامي بإعفاء المواطنين من شعيرة عيد الأضحى لعام 2025 لم يكن مجرد خطوة لتخفيف الأعباء الاقتصادية فحسب، بل هو رسالة صريحة بأن الفساد والمضاربة لا مكان لهما في المغرب، وأن القيادة الحكيمة ستكون دائمًا في صف الشعب، وأن المحاسبة ستكون حتمية لكل من أساء استغلال منصبه أو موقعه.


التعليقات مغلقة.