جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

على هامش الإحتفال باليوم العالمي للشغل // منذ أكثر من ربع قرن والمتقاعدون يعانون من تجميد المعاشات..فاين نحن من الدولة الإجتماعية ؟؟

1 97

في زمنٍ تتعالى فيه الشعارات عن العدالة الاجتماعية والعيش الكريم، يظل ملف المتقاعدين وصمة عار على جبين السياسات العمومية. كيف يُعقل أن يُترك من أفنى عمره في خدمة الوطن، يواجه الغلاء بفتات معاش لا يكفي حتى لتغطية أبسط الحاجيات؟ أي منطق يقبل أن يُكافأ العطاء الطويل بالحرمان، وأن يُقابل الوفاء بالعجز؟
لم تعد وضعية المتقاعدين مجرد ملف إداري يُؤجَّل من حين إلى آخر، بل أصبحت مسألة تمسّ كرامة الإنسان بشكل مباشر. فالمتقاعد، بعد سنوات من العمل والتعب، يجد نفسه أمام معاش ضعيف، وأسعار ترتفع باستمرار، وحاجيات يومية لا يمكن تأجيلها.
أكبر مشكل يواجهه المتقاعد هو أن دخله لم يعد يكفي. ما كان يغطي المصاريف في السابق، لم يعد اليوم يكفي حتى للأمور الأساسية مثل الغذاء والدواء وأداء الفواتير. ومع غياب زيادة منتظمة في المعاشات، تتراجع قيمتها سنة بعد أخرى، فيما يظل التفاوت بين الأنظمة التقاعدية قائمًا، مولّدًا شعورًا باللاعدالة.
وعندما يُطرح هذا الموضوع، يتكرر نفس الخطاب: كل حكومة تُحمّل المسؤولية لمن سبقها، لكن المتقاعد لا يهمه هذا الجدل، لأنه يريد حلاً الآن، لا تبريرات.
الحقيقة أن الزيادة في المعاشات ليست أمرًا صعبًا، بل هي حق مشروع مقابل سنوات من العمل. المتقاعد لا يطلب رفاهية، بل يطلب عيشًا كريمًا، وهو مطلب لا يحتمل التأجيل.
الحلول واضحة:
رفع المعاشات الضعيفة بشكل عاجل.
مراجعة المعاشات دوريًا حسب غلاء المعيشة.
تقديم دعم مباشر للمتقاعدين ذوي الدخل المحدود في العلاج والمواد الأساسية.
تقليص الفوارق بين الأنظمة لتحقيق العدالة.
التوقف عن تبادل اللوم بين الحكومات، والعمل على حلول حقيقية.
المتقاعد ليس عبئًا على الدولة، بل هو رصيدها الأخلاقي والإنساني. معاشه ليس منّة ولا صدقة، بل حق مكتسب بعرق السنين. ومع ذلك، ما زالت الحكومات تتقاذف المسؤولية، وتُخدّر الرأي العام بوعود مؤجلة، بينما الواقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.

في أوروبا، المتقاعد يدخل البرلمان عبر ممثلين منتخبين، وتُخصص لهم لجان تُدافع عن حقوقهم باعتبارهم جزءًا من التنمية التي ساهموا فيها لعقود. هناك، صوت المتقاعد حاضر في التشريع، في السياسات الصحية، في برامج السفر والترفيه، وفي كل ما يضمن له حياة كريمة بعد سنوات العطاء.
أما في المغرب، فالمتقاعدون بلا تمثيلية سياسية، بلا صوت داخل البرلمان، وكأنهم خارج المعادلة الوطنية. لا أحد يرفع مطالبهم تحت القبة، ولا أحد يضع كرامتهم في صلب النقاش العمومي. النتيجة أن المتقاعد المغربي يظل مهمشًا، يجلس في المقاهي أو على الأرصفة يلعب الورق، أو يركن في بيته ينتظر مرور الأيام، بينما الدولة والصناديق تغض الطرف عن معاناته.

هذا الغياب ليس مجرد تفصيل، بل هو إقصاء صريح لفئة ساهمت في بناء الوطن. المتقاعدون كانوا جزءًا من التنمية، من الإدارة، من التعليم، من الصحة، من الجيش، من كل القطاعات، ومع ذلك لا يجدون اليوم من يُدافع عنهم داخل المؤسسات.

في أوروبا، المتقاعد لا يحتاج إلى أن يخرج للشارع أو يقف أمام البرلمان ليطالب بحقوقه، لأن هذه الحقوق مضمونة سلفًا عبر التشريعات والبرامج الاجتماعية. هناك، الدولة تعتبره مواطنًا كامل الحقوق، فتُوفَّر له الأندية، الرعاية الصحية، برامج السفر، وكل ما يضمن له حياة كريمة بعد سنوات العطاء. لم نر قط وقفات احتجاجية أو مسيرات تضامنية للمتقاعدين أمام برلمانات أوروبا، لأن صوتهم حاضر داخل المؤسسات، ولأن الدولة سبقتهم إلى الوفاء بواجبها.
أما في المغرب، فالمشهد مختلف تمامًا. المتقاعدون يُضطرون إلى تنظيم وقفات احتجاجية ومسيرات متكررة أمام البرلمان وفي الشوارع، لأن لا أحد يتبنى مطالبهم تحت القبة، ولا أحد يضع معاناتهم في صلب النقاش العمومي. كل الحكومات التي تعاقبت على المغرب أبقت المشكل قائمًا كما هو: معاشات ضعيفة، غياب مراجعة دورية، تفاوت بين الأنظمة، وإقصاء سياسي كامل.


إنها مفارقة صارخة: في أوروبا، البرلمان يشرّع لصالح المتقاعد لأنه يرى فيه مواطنًا ساهم في التنمية ويستحق التكريم، بينما في المغرب، المتقاعد يظل خارج الحسابات، بلا تمثيلية، بلا حماية، بلا برامج، وكأن سنوات العمل الطويلة لا تعني شيئًا.

إن كرامة المتقاعد هي كرامة الوطن، واحترام من خدم بلده لسنوات هو واجب وطني وأخلاقي. لا يمكن أن نقبل أن يعيش إنسان أفنى عمره في العمل في ظروف صعبة عند تقاعده. المتقاعد لا يطلب المستحيل، بل يطلب حقه فقط… والحق لا يجب أن ينتظر.
فلنرفع جميعًا صوت الوفاء، ولنجعل من هذا الملف أولوية وطنية، حتى يظل المغرب بلدًا يحتفي بأبنائه في كل مراحل حياتهم، ويصون كرامتهم كما صانوا كرامته. وهذه هي الوطنية الحقة.

هيئة التحرير // أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تعليق 1
  1. محمد يقول

    معاناة المتقاعدين في المغرب: بين ضعف المعاش وغلاء المعيشة.
    لاحول لهم ولاقوة إلا بالله العلي العظيم

error: Content is protected !!