جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

هل انتبه التلاميذ لما يقوله المعلم ؟

1٬159

 

مرة أخرى تعود جريدة “أصداء مغربية” إلى مناقشة قضية تعدد الأحزاب واليوم نرصد من جديد مختلف الآراء المطروحة من قبل اليمين واليسار ومختلف الاتجاهات المشاركة وبرنامج العمل الوطني وتدخلاتهم في السير بهذا البلد نحو أفق أفضل.

لذلك أصبح من المهم بمكان إعادة النظر في تعدد الأحزاب بالمغرب، إذا نظرنا لعددها وفراغها.

الحرية ليست مجرد ملكة يتمتع بها الإنسان، دون أن يساهم في خلقها وتحقيقها. فالإنسان لا يوجد إلا إذا اختار نفسه عاملا على خلق ذاته بذاته. والعمل على تجاوز ما هو عليه بالفعل، والاتجاه نحو حالة أخرى تضمن له تجاوز موقفه الحاضر. وهذه هي طبيعة التطور في الحياة.

لذلك فإن قضية الحرية مرتبطة بمدى ما يحققه الإنسان من تطور في حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ولا يمكن أن تظل مرتبطة بمفاهيم ثابتة أو موروثة بعيدة عن حقائق الحياة. وإلا حكم الإنسان على نفسه بالفشل والجمود. فكل جديد يضفي على الحرية الديمقراطية معان جديدة ومفاهيم جديدة تجعلهما دائما قضيتان متحركتان مرتبطتان أشد الارتباط بقضية الحقوق.

لذلك أصبح من الضروري إعادة النظر أولا في مضمون الحرية بعيدا عن أي جمود فكري أو انتماءات مسبقة، واضعين في الاعتبار حقوق الأفراد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. في نفس الوقت الذي يواجه فيه تحديات خارجية تحاول الحد من انطلاقاته والتأثير على بنائه الداخلي وعلاقاته العربية والدولية.

وبالرغم من تبلور مناقشات ورقة تطوير الأحزاب التي عجزت عن تطوير صيغها الجامدة والتي ورثتها عن أجيال سابقة عجزت عن تحرير وطنها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وإزاء هذا العجز تريد أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، كي تبدأ من حيث فشلت لا من حيث نجح غيرها. إن هؤلاء “الرواد” في الأحزاب يعيشون بعقليات القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبمفاهيم بالية حلت محل الطبقات الإقطاعية، وبهدف تحقيق مصالح طبقية على حساب الأغلبية الساحقة من الجماهير.

إن الأفكار والمفاهيم التي نادى بها فلاسفة القرن التاسع عشر لا تصلح اليوم لإقامة مجتمعنا على أسس سليمة.. ومن هنا يجب أن يوضع نظام اقتصادي اجتماعي سياسي ثقافي جديد حتى يتمن كل مغربي من طالبة حقوقه ومن ممارسة حريته.

وإنها لخدعة كبرى أن يخلط البعض بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية. فالمفاهيم الجديدة للاقتصاد أصبحت لا تتطابق كليا مع ما كان ينادي به أنصار البروليتاريا.

ولنا أن نتساءل من الذي يستطيع أن يقيم حزبا سياسيا بمؤسساته وإداراته وصحافته التي تعبر عن رأسه، سوى الذين يملكون المال أو الذين يعرفون طريق الحصول عليه. ونحن (المغاربة) نعلم أن الأحزاب التي كانت تتنافس فيما بينها لجذب كبار الرأسماليين والإقطاعيين والسماسرة إلى عضويتها، وكل منهم يحتل مكانه في الحزب بقدر ما يدفع من أموال. ولو كان ذلك على حساب المناضلين الشرفاء الذين أفنوا حياتهم في خدمة النضال الوطني.

لا أريد أن أتحدث عن تفاصيل رفض الأحزاب السياسية للإصلاحات السياسية التي نادى بها الراحل الحسن الثاني لأقطاب بعض الأحزاب وإقناعهم بقبول التراجع عن مبادئهم السياسية القديمة وإنذاره لهم أنها عدو لمتطلعات المغاربة قاطبة. فالملك الحسن الثاني طلب منهم أن يطووا تلك الأفكار وأن يضعوها ضمن أساطير الأولين. فلم يبالي أي “سياسي” بحكمة الرائد الحسن الثاني الذي كان يعرف بقوة أفكاره الثاقبة والذي كان يذهل كل مستمعيه داخل صفوف المعارضة التي كانت تعمل في جبهة صلبة.

إن الأحزاب السياسية لم تستطع أن تؤدي دورها الوطني بنجاح كما كان يتوهم الشعب المغربي منذ بزوغ شمس الاستقلال ومن الوهم أن يعتقد أي سياسي كان أن قضية الديمقراطية يمكن أن تسير في سهولة ويسر وتنتصر دون أن تمر بمشاق أو صعوبات، ودون أن تبدل فيها الجهود القصوى.

وعلى هذه الأحزاب التي وصلت إلى “زبد البحر” أن تتعلم كيف تنظر إلى المسائل من جميع جوانبها، ليس إلى جوانبها الأمامية الظاهرة فقط، بل إلى جوانبها الخلفية المستترة أيضا.

ففي ظروف معينة يمكن أن يؤدي شيء سيء إلى نتائج حسنة، كما يمكن أن يؤدي شيء حسن إلى نتائج سيئة.

فتعدد الأحزاب لا يجدي شيئا ولعل أبرز ما يمكن أن ندلي به كمثل هو الصورة الحالية لهذه الجوقة من “الأحزاب” التي لم تساهم ولو ببرنامج واحد لإخراج المغرب من التخلف والرجعية البالية.

وعلى سبيل المثال ـ وحتى لا ننسى ـ تذكرت قول الشاعر المغربي إدريس عبارة عندما قال للراحل الحسن الثاني هذا البيت:

لسنا يمين أو يسار، كما قلت يا مولاي، بل وسط. !

فنحن شعب وسط، وليس هناك حجة أقوى من هذه الحجة في تفضيل ثلاثة أحزاب سياسية: يمين وسط ويسار، رغم اختلاف أهدافها النهاية.

ونقطة البدء، ليست كما يعتقد “السياسيون” تكريس المعارضة بالتصريحات على المنابر المتعددة المحركة المهلهلة في مؤتمرات وحلقات فارغة. بل نقطة البدء هي: ما فعلته الأحزاب السياسية المتعددة التي نصبت نفسها بطلا للدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الشعب؟ وحتى لا ننسى، بعد سلسلة متعاقبة من الخطابات الفاشلة، لا ينكر أحد إخفاقها، بالإضافة إلى العوائق السابقة التي لعبت هي أيضا دورها لتوسيع الهوة وإفشال المسيرة التنموية التي أرادها  الملك الراحل الحسن الثاني.

المغرب بلد جميل فعلا، نحن نتفق على أن يبقى مثل ما أراده الله له، مطمئنا سالما متميزا.

لم تعد القضية بتعدد الأحزاب، بل إن القضية اليوم هي إخراج المغرب من السبات. وليست لنا حجة إلا حجة جلالة الملك محمد السادس الذي أعلن منذ جلوسه على عرش أسلافه الميامين أنه جاء ليعمل دون ما تحديد أو قيود. وجلالته اليوم هو المبادر في مواجهة التحديات. وجلالة الملك محمد السادس عندما كان وليا للعهد تابع عن قرب سرا وعلانية قضايا المغاربة من ظلم واحتقال وانتكاس. فلا أحزاب سياسية ساهمت في التنمية ولا نقابات في تكريس الديمقراطية أو مشروعات اقتصادية لإقامتها وتشغيلها. فجلالة الملك أكد بكفاءة وجدارة أنه لم يأت “ليتكلم” أو أن يجلس على كرسي فقط “للديكور”. رغبته اليوم ليست “مساعدة” شعب منهمك.

لا ! جلالة الملك محمد بن الحسن، يعتبر بحق وحقيقة المتفاعل الحقيقي والوحيد مع أنين الشعب المغربي، فقد تجاوزت تحركاته أكثر من 9.000 كلم، مقدما صورة متكاملة على أنه الساهر الوحيد على سلامة هذا البلد دون “تطبيل” وهكذا يظل جلالة الملك دون غيره المسؤول المشغول بإشارات شعبه.

ومن ثم فإنه يعتبر أمرا مثيرا للدهشة ومهدرا أن تجلس كل هذه الأحزاب وغيرها تنتظر ما يدشنه جلالة الملك من أوراش هذه الأحزاب ورسم السياسة العامة للدولة. فأين هو إذن عرف مبادئ هذه الأحزاب السياسية التي أصبحت طامعة في مغنم وراغبة فقط في السلطة؟

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي في الحقيقة من صنع جلالة الملك محمد السادس. والواقع أنه لولا هذه المبادرة الملكية لما سمعنا بإقامة طوابق ومنازل في مواقع كانت توجد بها قصدير دور الصفيح..

وعلى العكس مما كنا نسمع عن الأحزاب أنها هي التي تشفي، فما نراه اليوم هو مشي جلالة الملك في طريقه المستقيم لصرف الضرر عن شعبه وإخراجه من الظلمات إلى النور والخطط الاقتصادية بمبادرات شجاعة تنموية الواجبة الاتباع كما فعلته تونس وألمانيا وموريتانيا وغيرهما لتعمل به وتقتدي لتحقيق آمالها المرجوة كما تصورها جلالة الملك محمد السادس لوطنه المفدى.

والعلاقات المغربية-الكوبية ليست من صنع حزب مغربي واحد..بل جاءت من مبادرة الملك..

والمثل الحي الذي نضربه هنا هو نجاح فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أثبتت في جزئياتها وفلسفتها الصغيرة والكلية المنطق الملكي الصائب. فالمعلم يمر اليوم عبر التطبيق الفعلي للأفكار النظرية وينجح. بينما الأحزاب تتطاحن فيما بينها لإنجاح الإضرابات واللعب على حبلين لأكل اللقمة من فم الجائع والمتخوم.

جلالة الملك محمد السادس يضعه المغاربة على رأسهم لأنه مظلتهم الواقية، ويضعونه في قلوبهم لأنه درعهم المنيع. باسم الشعب الذي ثار من أجل سلطة الملك لا من أجل سلطة الأحزاب.. التي لم تنتبه لما يقوله المعلم.

عبد الحميد حيمر

 

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!