حين يلجأ رأس الدولة في بلد ما إلى تفقد تراب متنازع عليه، فإن الخطوة لا تُقرأ أبداً على أنها مجرد تفقد إداري روتيني، بل هي رسالة سياسية مكشوفة تعكس حجم الهواجس الداخلية أكثر مما تعكس قوة السيادة. وزيارة العاهل الإسباني إلى ثغري سبتة المحتلة ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل هي تجسيد حي لقلق وجودي يعتصر مدريد كلما التفتت جنوباً ورأت صعوداً مغربياً ثابتاً يفرض نفسه جغرافياً واقتصادياً. إن إسبانيا، من خلال هذه التحركات الملكية، لا تبحث عن ترسيخ سيادة مطمئنة، بل تحاول حياكة رداء واهٍ لشرعية متآكلة بفعل الزمن. فالمدينتان اللتان تعيشان في خنق جغرافي دائم مع محيطهما المغربي، وتتحولان تدريجياً إلى عبء مالي وإداري على الخزينة الإسبانية، لا تشكلان بالنسبة لمدريد مكسباً استراتيجياً حقيقياً بقدر ما تمثلان “عقدة نقص” تاريخية. إنها محاولة مستماتة لدق أوتاد في أرض تدرك إسبانيا جيداً أن التاريخ والجغرافيا فيها لا يعملان لصالح بقائها أبد الدهر. في المقابل، يتعاطى المغرب مع هذه الاستفزازات بمنطق الكبار؛ برود استراتيجي ونفس طويل يدرك أن صخب الزيارات ومراسيم البروتوكول لا تغير من حقائق التاريخ شيئاً. فالرباط لا ترى في هذه الخطوة تهديداً وجودياً، بل تراها رقصة ديك إسبانية أخيرة تعكس عجز مدريد عن طمس حقيقة أن الثغرين أرض مغربية سلبها الزمن وسيستردها المنطق الجغرافي والاقتصادي آجلاً أو عاجلاً. باختصار، ما تعمله إسبانيا هو محاولة وقائية يائسة لترميم جدار متهالك، بينما يكتفي المغرب بالرهان على الزمن والتنمية، واثقاً بأن الجغرافيا أقوى من كل عروش الاستعمار وزياراته العابرة.