جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة
فوق الصفحة

تداعيات ارتفاع التداول النقدي (الكاش) إلى 491 مليار درهم على الاقتصاد المغربي والسيولة البنكية

0 220

إدريس العاشري :

خبير في الحكامة البنكية والتدقيق الداخلي والمالية

رغم مختلف الإجراءات والتحفيزات التي اعتمدها بنك المغرب للحد من تنامي التداول بالنقد (الكاش)، لما يترتب عنه من انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني والسيولة البنكية، فإن هذه الظاهرة ما تزال تسجل ارتفاعاً متواصلاً من سنة إلى أخرى. ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة تساؤلات عديدة يطرحها الخبراء الاقتصاديون والماليون حول أسباب استمرار الاعتماد المكثف على الأداء النقدي، وسبل تسريع الانتقال نحو وسائل الأداء الإلكترونية الحديثة.

ووفقاً لأحدث البيانات والتقارير الرسمية الصادرة عن بنك المغرب، بلغت القيمة الإجمالية للنقود المتداولة خارج الجهاز البنكي حوالي 491 مليار درهم، تشمل الأوراق البنكية والقطع النقدية المتداولة داخل الاقتصاد الوطني، وهو مستوى غير مسبوق يعكس استمرار هيمنة الأداء النقدي في مختلف المعاملات الاقتصادية.

وقبل الوقوف عند انعكاسات هذا الارتفاع على السيولة البنكية والاقتصاد الوطني، يجدر التذكير بأهم العوامل التي تفسر هذه الظاهرة، ومن أبرزها:

أولاً: اتساع القطاع غير المهيكل والتجارة التقليدية

يعتمد القطاع غير المهيكل، إلى جانب التجارة التقليدية، بشكل كبير على الأداء النقدي المباشر، في ظل محدودية استعمال وسائل الأداء الإلكترونية. كما يرتبط هذا النمط من المعاملات، في كثير من الأحيان، بعادات اجتماعية وآليات التضامن والتكافل الأسري.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الاقتصاد غير المهيكل يمثل وزناً مهماً داخل الاقتصاد المغربي، حيث يقدر بنك المغرب وصندوق النقد الدولي حجمه بما يتراوح بين 30% و34% من الناتج الداخلي الإجمالي، بينما تقدر المندوبية السامية للتخطيط مساهمته في القيمة المضافة بحوالي 11.5% إلى 12%، دون احتساب بعض الأنشطة غير المصرح بها أو الأنشطة الفلاحية المعاشية.

كما تستحوذ تجارة القرب، والأسواق الأسبوعية، ومحلات البيع بالتجزئة، والخدمات الحرفية على نسبة تفوق 60% من أنشطة هذا القطاع، وهو ما يعزز استمرار الاعتماد على التداول النقدي.

ثانياً: العادات الاستهلاكية والأنشطة الموازية

لا تزال العديد من الأسر المغربية، إلى جانب قطاعات كالبناء والفلاحة وبعض الخدمات، تفضل الأداء نقداً، سواء بدافع سهولة تدبير المصاريف اليومية أو بفعل ترسخ ثقافة التعامل المباشر بين المتعاملين.

ثالثاً: تدفقات العملة الصعبة

يساهم الانتعاش المتواصل للقطاع السياحي، إضافة إلى تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، في ارتفاع حجم الكتلة النقدية، إذ يتم تحويل جزء مهم من هذه الموارد إلى سيولة نقدية توجه أساساً للاستهلاك اليومي أو لدعم الأسر.

قفزة في التداول النقدي… وعجز هيكلي في السيولة البنكية

أسهمت هذه العوامل مجتمعة في ارتفاع حجم النقد المتداول بنسبة تقارب 18.5% مقارنة بالسنة السابقة، ليصل إلى ما يعادل حوالي 28.5% من الناتج الداخلي الإجمالي، وهي نسبة تعد من بين الأعلى على الصعيد الدولي، وتعكس تداول ما يزيد عن 3.4 مليارات ورقة بنكية و3.4 مليارات قطعة نقدية.

وتبرز هذه الأرقام بوضوح حجم التحديات التي تواجه القطاع البنكي المغربي، إذ تؤكد مختلف الدراسات أن البنوك تعيش منذ سنوات على وقع عجز هيكلي في السيولة، نتيجة استمرار خروج كميات كبيرة من الأموال من الدورة البنكية نحو التداول النقدي المباشر.

وقد بلغ هذا العجز حوالي 133 مليار درهم، وهو ما أثر بشكل مباشر على حجم الودائع البنكية، سواء الجارية أو لأجل، وأضعف الموارد الذاتية المتاحة للبنوك لتمويل الاستثمار والاقتصاد الوطني. فكلما ارتفع حجم النقد المتداول خارج الجهاز البنكي، تقلصت قدرة المؤسسات البنكية على تعبئة الادخار وتمويل المشاريع الإنتاجية.

كيف تواجه السلطات النقدية هذه الظاهرة؟

لمواجهة هذه الوضعية، يعتمد بنك المغرب، بتنسيق مع مختلف المتدخلين في القطاع المالي، مجموعة من الإجراءات الرامية إلى تعزيز السيولة وتشجيع الأداء الإلكتروني، من أهمها:

التدخل المنتظم لضخ السيولة في السوق النقدية عبر التسبيقات لمدة سبعة أيام والقروض المضمونة، بما يضمن استقرار السوق واستمرار تمويل الاقتصاد.

تطوير منظومة الأداء الإلكتروني، من خلال تعميم التحويل البنكي الفوري، وتوسيع خدمات الأداء عبر الهاتف المحمول باستخدام تقنية QR Code، مع مراجعة عمولات الأداء الإلكتروني لتشجيع التجار على اعتمادها.

مواصلة تحديث الأوراق البنكية، والسحب التدريجي للإصدارات القديمة، إلى جانب رقمنة أداء الرسوم والضرائب والخدمات العمومية.

تعزيز الشمول المالي، عبر تسهيل فتح حسابات الأداء للفئات الهشة، وتحفيز صغار التجار والمقاولين الذاتيين على الاندماج في الاقتصاد المنظم والاستفادة من مزايا الرقمنة.

إن الحد من الاعتماد اليومي على التداول النقدي الذي أصبح عادة وتقليد لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح رهاناً استراتيجياً لتعزيز الشمول المالي، وتقوية السيولة البنكية، ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل، وترسيخ اقتصاد رقمي أكثر شفافية وتنافسية.

ويبقى نجاح هذا الورش الوطني رهيناً بتضافر جهود الدولة، والقطاع البنكي، والفاعلين الاقتصاديين، ومختلف مكونات المجتمع، من أجل ترسيخ ثقافة الأداء الإلكتروني وتعزيز الثقة في المعاملات الرقمية، بما يخدم أهداف النموذج التنموي الجديد، ويدعم استدامة النمو الاقتصادي والمالي للمملكة المغربية.

استنادا لكل هذه المعطيات الرقمية لاباس ان نتساءل:

بالموازاة مع التأثير السلبي لارتفاع التداول بالكاش على الاقتصاد المغربي والسيولة البنكية.

هل ممكن ان نصنّف التداول بالنقد (الكاش) في الأدبيات المالية والقانونية الدولية والمحلية كـ «دريعة ووسيلة عالية المخاطر» لغسل الأموال وتمويل الإرهاب. ؟؟؟؟

للتذكير فان​ الهيئات المالية الدولية، وعلى رأسها مجموعة العمل المالي (GAFI )، إضافة إلى التشريعات الوطنية للبنوك المركزية (مثل بنك المغرب)، على تقييم خطورة المعاملات النقدية بناءً على خصلة سيئّة أساسية في الكاش: غياب الأثر الرقمي حيث تنتقل الأموال النقدية من يد إلى أخرى دون أن تترك أي سجل بنكي أو رقمي يوضح هوية المشتري، أو البائع، أو مصدر تلك الأموال، مما يسهل إخفاء مصدرها الإجرامي (غسل الأموال) أو جهة وصولها النهائية (تمويل الإرهاب).

لنا عودة في هذا الموضوع محاربة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في مقال لاحق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!