شهدت منافسات نهائيات كأس العالم إثارة كروية بالغة ومفاجآت متتالية أعادت رسم ملامح المجموعات، لتقدم لنا وجبة كروية دسمة تستحق الوقوف عندها بالقراءة والتحليل، لا سيما عند ربطها بالأداء البطولي والتعادل التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي أمام نظيره البرازيلي بنتيجة هدف لمثله في افتتاح مباريات المجموعة الثالثة على أرضية ملعب “ميتلايف”.
وقد تميزت مباريات الجولة الأخيرة بظهور لافت لأبرز نجوم الساحرة المستديرة الذين تركوا بصمتهم بوضوح على المستطيل الأخضر، حيث استهل المنتخب الأرجنتيني رحلة الدفاع عن عرشه بقوة بعد فوزه على الجزائر بثلاثية نظيفة، حسمها الأسطورة ليونيل ميسي بهاتريك تاريخي أعاد إلى الأذهان ذكريات بداياته المونديالية، ليتصدر راقصو التانغو المجموعة العاشرة. وفي قمة مكررة مفعمة بالندية، قاد القائد كيليان مبابي الديوك الفرنسية لانتصار ثمين على السنغال بثلاثة أهداف لهدف، محطماً في طريقه أرقاماً قياسية كأبرز هداف تاريخي لفرنسا في المونديال. كما فرض العملاق إرلينغ هالاند هيمنته المطلقة على مواجهة النرويج ضد العراق بتسجيله ثنائية حاسمة قاد بها منتخب بلاده لانتصار عريض بأربعة أهداف لهدف في بوسطن، في حين نجح المنتخب النمساوي في كبح طموح النشامى الأردنيين في مباراة مثيرة حسمتها الخبرة النمساوية وركلة جزاء متأخرة لتنتهي بنتيجة ثلاثة أهداف لهدف، بينما اتسمت مواجهة إيران ونيوزيلندا بالتكافؤ الشديد لتنتهي باقتسام النقاط بعد تعادل بهدفين لمثلهما.
وعند وضع مباراة المغرب ضد البرازيل في ميزان المقارنة مع هذه المواجهات، تبرز عدة نقاط فنية وتكتيكية تفسر القيمة العالية للنقطة التي انتزعها أسود الأطلس؛ ففي الوقت الذي عانت فيه منتخبات عريقة كالجزائر والسنغال أمام القوة الهجومية الضاربة للأرجنتين وفرنسا، أظهر المنتخب المغربي شخصية تكتيكية صارمة وشجاعة هجومية نادرة أمام البرازيل. ولم يكتفِ الأسود بالدفاع، بل بادروا بالضغط منذ الدقائق الأولى واستحوذوا على المبادرة الهجومية، مما أسفر عن هدف التقدم الرائع عبر إسماعيل صيباري بعد تمريرة ذكية من إبراهيم دياز. ورغم نجاح النجوم الكبار في مباريات الأمس في فرض نجاعتهم التهديفية، إلا أن أسود الأطلس نجحوا في مقارعة المهارات البرازيلية الفردية، فرغم تسجيل فينيسيوس جونيور لهدف التعادل للسيليساو، فإن التنظيم الدفاعي والانتشار الذكي لرفاق أشرف حكيمي في الشوط الثاني حرم البرازيل من فرض أسلوبها المعتاد، لتنتهي المواجهة بتعادل منصف يعكس التطور التكتيكي الكبير للكرة المغربية.
أما على مستوى حسابات المجموعات والمسار المونديالي، فإن الانتصارات العريضة للأرجنتين وفرنسا والنرويج وضعتهم في موقف مريح في مجموعاتهم، بينما في المجموعة الثالثة، جعل تعادل المغرب والبرازيل الحسابات مفتوحة ومثيرة للغاية، خاصة مع تصدر اسكتلندا للمجموعة مؤقتاً بعد فوزها على هايتي، مما يجعل المواجهة القادمة للأسود أمام اسكتلندا بمثابة مفتاح العبور إلى الدور القادم.
إن هذه المنافسات تثبت مجدداً أن الفوارق بين المنتخبات تلاشت بفضل الانضباط التكتيكي والتحضير الذهني العالي، وإذا كانت بقية المواجهات قد أكدت سطوة النجوم الكبار، فإن ملحمة “أسود الأطلس” أمام البرازيل وجهت رسالة صريحة للجميع بأن المغرب بات منافساً حقيقياً قادراً على مقارعة كبار اللعبة في أعتى الملاعب العالمية.