كلما اندلع احتجاج في منطقة جبلية أو قروية بسبب ضعف البنية التحتية أو غياب الخدمات الأساسية، تتجه الأنظار مباشرة نحو الإدارة الترابية باعتبارها الطرف الأقرب إلى المواطنين والأكثر حضوراً على الأرض غير أن هذا التوجه، رغم ما يبدو عليه من منطق، يخفي في كثير من الأحيان خلطاً بين الأدوار والمسؤوليات.
فالإدارة الترابية تضطلع بأدوار أساسية في حفظ النظام العام وتتبع تنفيذ السياسات العمومية والتنسيق بين مختلف المتدخلين، كما تعمل ضمن الإمكانيات البشرية والتقنية والمالية المتاحة لها، لكنها ليست الجهة التي تضع البرامج التنموية المحلية، ولا هي التي تنتخب لتدبير الشأن المحلي وتمثيل الساكنة والدفاع عن مصالحها داخل المؤسسات المنتخبة.
إن جزءاً مهماً من الاختلالات التنموية التي تعاني منها العديد من المناطق الجبلية يرتبط بضعف أداء بعض النخب السياسية المحلية وعجزها عن بلورة مشاريع تنموية حقيقية تستجيب لحاجيات السكان. فبدل الانخراط في إعداد تصورات تنموية مبنية على تشخيص دقيق للإكراهات والفرص باعتبارها اكثر قربا من هموم المواطنين و انشغالاتهم، ينحصر الاهتمام أحياناً في تدبير يومي محدود أو في حسابات انتخابية ضيقة لا تنتج تنمية ولا تحل المشكلات المتراكمة. وعندما تتفاقم الأوضاع وتخرج الساكنة للاحتجاج، تجد الإدارة نفسها في الواجهة، فتتحمل الانتقادات والغضب الشعبي، بينما يغيب أو يتوارى من أوكلت إليهم مهمة التدبير والتخطيط والترافع من أجل جلب المشاريع والاستثمارات وتحسين ظروف العيش وهنا يتحول النقاش من مساءلة أسباب التعثر التنموي إلى البحث عن شماعة تعلق عليها الإخفاقات.
إن التنمية الحقيقية لا تتحقق بإخماد الاحتجاجات، بل بمعالجة أسبابها ولا يمكن بناء الثقة بين الدولة والمواطنين إلا من خلال سياسات استباقية تجعل من التنمية أولوية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتدفع النخب المنتخبة إلى القيام بأدوارها كاملة بدل ترك الإدارة الترابية تواجه وحدها مطالب الساكنة وانتظاراتها.
كما أن المناطق الجبلية على وجه الخصوص تحتاج إلى مقاربات تنموية خاصة تأخذ بعين الاعتبار صعوبة التضاريس وضعف التجهيزات والهشاشة الاقتصادية ، وهي مسؤولية تتطلب تضافر جهود الدولة والإدارة والجماعات الترابية والفاعلين المحليين، لكن ذلك لا يعفي المنتخبين من مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية تجاه المواطنين الذين منحوا لهم الثقة.
إن الإنصاف الحقيقي يقتضي توزيع المسؤوليات وفق الاختصاصات الحقيقية، لا وفق من يوجد في الواجهة لحظة الأزمة ، لذلك فإن أي نقاش جاد حول التنمية يجب أن يبدأ بمساءلة النخب المنتخبة عن حصيلتها وبرامجها وقدرتها على تحويل مطالب المواطنين إلى مشاريع ملموسة، بدل الاستمرار في جعل الإدارة شماعة جاهزة لكل فشل أو تعثر.
إن التجارب المتراكمة في عدد من المناطق الجبلية أظهرت أن الاحتجاج ليس سبب الأزمة، بل هو في الغالب نتيجة لها. فحين تغيب التنمية وتتراكم المطالب وتضيق قنوات الترافع المؤسساتي، يصبح الاحتجاج وسيلة للتعبير عن معاناة ظلت لسنوات دون جواب.
غير أن الحل لا يكمن في تدبير الاحتجاجات كلما اندلعت، بل في بناء شروط عدم وقوعها أصلاً عبر تنمية عادلة ومستدامة وهذا يقتضي القطع مع منطق النخب التقليدية التي استنفدت أدوارها ولم تعد قادرة على مواكبة التحولات والتحديات التي تواجه العالم القروي والمجالات الجبلية. فالمناطق الجبلية لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى كفاءات محلية تتمتع بمنسوب عالي من الجدية و الحزم و اليقظة و الواقعية و تمتلك المعرفة الدقيقة بقضاياها، وإلى نخب قادرة على تحويل مطالب الساكنة إلى برامج ومشاريع قابلة للإنجاز والاستمرار. كما تحتاج إلى رؤية تنموية مبنية على المعطيات الواقعية والدراسات الميدانية، لا على الحسابات الانتخابية الظرفية.
وعندما يتم تمكين الكفاءات الحقيقية من مواقع القرار، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة ترتيب أولويات العمل العمومي بما يضع التنمية في صلب اهتمام السياسات العمومية ، يمكن حينها تقليص منسوب الاحتقان الاجتماعي وتخفيف دوافع الاحتجاج. فالمسألة ليست في إلغاء الاحتجاج، بقدر ما هي في بناء شروط تجعل اللجوء إليه أقل ضرورة، عبر سياسات أكثر نجاعة وعدالة واستباقاً.