في إطار المسابقة الأدبية التي تنظمها جريدة أصداء مغربية بشراكة مع المنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية للإعلام والتسامح، تبرز القصة القصيرة «راعية الغنم» للكاتب المغربي عبدالإله ماهل كصوت سردي يختزل معاناة الفتاة القروية بين البداوة والمدينة، بين البراءة والاستغلال، وبين الحلم الذي ينكسر والمصير الذي يُصنع قسرًا تحت وطأة الظروف.
القصة تنطلق من فضاء القرية حيث الكتاب القرآني المهمل وغياب الفقيه، لتتوارث البطلة حفظ القرآن وتدخل المدرسة بشغف، قبل أن تُقصى إلى البيت بفعل الفقر والقيود الاجتماعية. ومن هناك تنخرط في الرعي، لتصبح «راعية الغنم» التي تجد في القطيع عزاءً واعترافًا محليًا، بينما الأب يغرق في الديون وتنهار قيم القبيلة. ومع بلوغها، تقع ضحية استغلال عاطفي وجسدي، لتدخل في علاقة محرمة تنتهي بحمل غير مرغوب فيه، فتغادر قريتها نحو المدينة حيث تواجه أطماع البشر وقسوة الحياة. وفي النهاية، يُعقد قرانها وسط احتفالات صاخبة، لتظل الحقيقة المخفية خلف ستار الأعراف والسكوت الجماعي.
إنها قصة عن هشاشة الأحلام حين تصطدم بواقع قاسٍ، وعن صناعة المصير في مجتمع يفرض على المرأة القروية أن تكون ضحية الفقر والحرمان، لكنها في الوقت ذاته رمز لصمود يتجلى في قدرتها على الاستمرار رغم الانكسار. النص يضع القارئ أمام مرآة الواقع المغربي، حيث تتقاطع الأسئلة حول التعليم، الهجرة، القيم، والكرامة الإنسانية، ويعيد الاعتبار للأدب كأداة لتوثيق التحولات الاجتماعية وكشف المستور.
بهذا العمل، يضيف الكاتب عبدالإله ماهل لبنة جديدة في صرح الأدب المغربي الواقعي، ويمنح المسابقة بعدًا إنسانيًا يعكس رسالتها في إبراز الأصوات الأدبية التي تنقل نبض المجتمع وتوثق ذاكرته الجماعية.
قصة قصيرة بعنوان “راعية الغنم”
لكاتبها: عبدالاله ماهل من المغرب
اكتفى بما أخذته وعن ظهر لوح خشبي من ما تيسر من آيات ربانية من ذلك الكتاب القرآني الذي يقبع بالجوار كاليتيم يوم العيد، المهمل إلى حد النسيان. كل شيء فيه تآكل واهترى، ولا من يعيره أي اهتمام؛ وكأنه بات ثقلا على القلب فبالأحرى على الجيب، اللهم وعلى سبيل الإستحسان صدقات بين الفينة والأخرى وعلى شكل قالب سكر أو طلاء من الجير أو تجديد لحصير، يجود بها غرباء، وبالصدفة أثناء مرورهم من هنا مر كرام؛ تذكرة وتيمنا بفقيه كان يا مكان هناك. أحسن قراءة الطالع، شافى وعافى وأكرم الوفادة حتى داع صيته، وقويت شوكته؛ فخيف منه التمرد والعصيان، فكان لزاما التخلص منه وبأدب، ومن دون إثارة الشوشرات والنعرات، أسلم من الإبقاء عليه. وذات يوم وبمحرابه بات ليلته، وفي صبيحة الغد تفقده مريدوه، فلم يعثر له على أثر؛ وكأن الأرض بلعته، فانقطعت أخباره. وبعد حين سجل في عداد المفقودين، وطويت صفحته إلى الأبد؛ ليظل وعبر سنين ذاك اللغز المحير.
اتت على القرآن كله حفظا وختما؛ كان بمثابة فاتحة خير عليها، نالت من خلاله شرفا واحتفاء من أهل القرية، بوأها مكانا رفيعا، جعلها مرفوعة الرأس؛ وهي تلج التعليم الابتدائي بمدرسة تبعد كثيرا عن مسقط راسها ولا سبيل الى الوصول اليها الا قطعا على الاقدام. أقبلت عليه وبشغف منقطع النظير، واذعنت لمناهج أمليت من الفوق وبطريقة ارتجالية؛ يكاد يتغير لونها عاما على عام من لغة الأم إلى أخرى دخيلة. تجعلها تنأى عن واقع معيش، سمته البداوة ولا شيء غير البداوة؛ لينتهي بها المطاف إلى النفور المتلقي منها. اللهم من اصطبر وكابد، وتمكن من تجاوز رتابتها؛ لا لشيء إلا ليعبر وبسلام إلى الضفة الأخرى. وكأنه استوعب الدرس، ولم يعد بمقدوره أن يراهن على ما يحمله المستقبل من مفاجآت. آثر قعدتها في البيت بدل المغامرة بها؛ لتتولى امها أمرها كبديل عن ذلك التعليم. لم تبخل عليها أمها بأي شيء؛ أخذت بيدها، لقنتها ما تتطلبه الحياة اليومية: من طبيخ وغسيل وغزل ووو… لتؤهلها وبامتياز لزواج ميمون وخلفة محمودة، تؤج ان شاء الله بالبنين والبنات.
مغامرة ركبها ولم يحسب جيدا عاقبتها؛ عصفت كليا بوضعيته المالية وأودت به إلى الحضيض. فلا الإبن البكر اشفى غليله، ولا البنت التي تليه ارتاحت واراحت. كلاهما هاجرا إلى المدينة بعد أن استوفيا المرحلة الابتدائية؛ ليلتحقا بالتعليم الابتدائي فالثانوي فالجامعي. مسيرة أفنيا من خلالها عمرا لا يستهان به، تردد بين عيش جمعهما سويا: ببيت مكترى لا يتعدى أربعة أمتار، وأكل ناشف يكاد يفتقر لكافة المقومات الموصى بها، وتنقل عبر الأرجل خارج المدينة، ودراسة تخضع لابتزاز من طرف أساتذة لا يؤمنون إلا بمطبوعاتهم شكلا ومضمونا وبأسعار خيالية. معاناة استطاعا تجاوزها، مرت بسلام؛ وكانت نهايتها الحصول على شهادة جامعية. ليجد كل واحد منهما على حدة، نفسه تتقاذفه مباراة التوظيف: بين كتابي يغري وشفوي يحطم. وبين هذا وذاك محسوبية مكشوفة للعيان؛ سرعان ما شلت حركتهما، لترديهما خارج الركب على الهامش في عطالة وبطالة. فلا المدينة استطاعا مجاراتها والتأقلم معها، ولا البادية ارتضياها بديلا. لتبقى المعاناة على أشدها.
لم يدخر الأب جهدا إلا وبدله عليهما؛ ظنا منه أن نيل الشهادة الجامعية سوف تنقله إلى سدة الأعيان، وتعفي الأبناء مغبة العيش بقبيلة، سلبت منها عنوة لحمة تلك العصبية، وتسربت بين ثنايا كيانها العداوة والبغضاء. ليلجها الغريب ويعيث فيها فسادا، ولا من يحرك ساكنا. ماتت النخوة وعزة النفس، واستبيحت الأعراض وتركت نسيا منسيا، ومن غير أدنى مقومات العيش الكريم: لا طريق لا ماء ولا كهرباء. وليكون البديل ولا مناص منه سوى الهجرة والشتات. فإذا به يجد نفسه، غارقا حتى الأذنين في وحل عديم القرار؛ مديونية وصمته بالعار، يجر اذيالها أينما حل وارتحل. لم يجد معها من حيلة سوى سدادها، ومن خلال رهن جميع ما آل إليه إرثا: من أرض عارية منعزلة تحت رحمة الرياح. لا حول ولا قوة لها سوى ما تدره عليها السماء من زخات مطرية. ليكتفي قانعا راضيا؛ بما يجود عليه الساكنة من دريهمات. بالكاد يسد بها رمق العيش؛ مقابل تعهده بالقيام بشؤون المسجد والإشراف على الكتاب القرآني. ليسد ذلك الفراغ الذي أحدثه اختفاء ذلك الفقيه صاحب البركة.
نزلت مكرهة لا راضية عند رغبة ابيها، لزمت البيت وشغل البيت. لتتفرغ بعدئذ إلى الرعي، وتتبع الاغنام عبر المراعي والشعاب؛ بحثا عن الكلأ والعشب وموارد الماء. ألفت الرعي واستأنست بالأغنام، أسوة بمثيلاتها اللائي لم يحالفهن الحظ في ولوج المدينة او الخوض في مغامرات خارج القرية. فكانت تقضي اليوم بطوله خارج البيت، وليس في جعبتها إلا القليل من رغيف يابس ملفوف بقطعة ثوب خشن، وقنينة بلاستيكية امتلأت عن آخرها بشاي أسود تسد من خلالهما ولو لحين جوعها، وقارورة ماء تطفئ بها ظمأها. لا تمل ولا تكل. يرافقها كلبها، وعيناه متقدتان كالجمر لا تنام؛ يتحسس الأرض، يركض، ينبح؛ ليعيد أي شاة شاردة إلى جادة القطيع. وكأن المسكينة فطمت على الرعي والمرعى؛ تتقفى بخطوات حتيتة: أحسن مرعى لأعز قطيع لديها. وكم كانت تسعد أيما سعادة؛ وهي تخلص نعجة من حملها أو تجد في انتقاء الفحل المناسب للنعجة الجاهزة. لتكون النتيجة: قطيعا من سلالة جيدة، وأعدادا في تزايد مضطرد؛ بوئها وبدون منازع الحصول على جوائز واعترافات محلية؛ كانت بمثابة اضافة مادية، رفع من خلالها الأب جزءا من الرهن على ممتلكاته.
ومع توالي الأيام ظهرت عليها علامات البلوغ. أتت عليها ولم ترحمها ولا من يرشدها؛ اللهم ما عاينته من خلال القطيع. انزوت خارج الصبية الرعاة، احست بشيء غريب في جسدها يسري ويسري، لم تستطيع معه صبرا. مما جعلها تسقط ضحية ذئب كان يتربص بها عن بعد، تمكن وفي ظرف وجيز ان يراقصها على أنغام الناي، ويتلاعب بها وبعذريتها تحت شجرة ظليلة على حافة غدير ماء رقراق. لم تقدر على مقاومته فاستسلمت لمشيئته راضية مرضية. انتشت وارتقت، حتى اصبحت لا تنام ولا تقعد إلا على هوس لقياه؛ وكأن حالة الإدمان اخذت منها كل مأخذ. فما تكاد تستفيق من سكرتها حتى يعاودها الحنين إلى سكرة مثل سابقتها او اكثر. انساقت مع هواها وانجرفت بعيدا بعيدا. ولم تعي عاقبة غريزة، تأججت وأينعت ولا سبيل لردعها إلا مداراتها أو الاستسلام لمشيئتها. وكأن المسألة مسيسة يراد بها باطل؛ يحرم الخوض في حيثياتها: فلا البيت يرتضيها ولا التعليم يقتضيها؛ لتبقى طابوا يتأرجح بين الحلال والحرام، يجثو بكل ثقله على ذوي كبرياء في غير محله. ليحدث ما لم يكن في الحسبان؛ قيء ودوار، وكأن بوادر حمل مازال في ابانه، يلوح من بعيد.
خافت على نفسها فضيحة؛ تلطخ من خلالها سمعة أسرتها، وتمرغ وجه ابيها فقيه الدوار في التراب بعار وما يجره من تبعات لا تحمد عقباه. وبطريقة أو بأخرى وبمؤازرة الوالدة، حزمت أمرها على النأي بسوءتها بعيدا كل البعد عن الأنظار. فكانت أول محطة لها نزل صغير على قارعة الطريق الرئيسي؛ سرعان ما تلقفها صاحبه لحاجة ملحة في نفسه. بدوية خلوية دون سن الرشد، مربوعة القد ذات شعر مجعد يميل إلى صفرة من دهب، من طيبة سريرتها؛ سرعان ما تحمر وجنتيها ويتلعثم لسانها، فتزداد جمالا على جمال. براءة على نياتها ما زالت التربة عالقة بأهدابها، وعبق العذارى يفوح عرقا من بين ثنايا تلكم الأطراف المسترسلة. لا تجيد إلا الغسيل والكنس، وهذا أقل ما طلب منها؛ ارتضته على عجل من أمرها وبأجر زهيد بالكاد يغطي البعض من مصاريفها؛ مقابل ديمومة على مدار الساعة، تجب افقيا شغل الفندق والمقهى على حد سواء ولو على حساب نومها. حامت من حولها الأطماع، أحست بالنظرات الحادة تلسعها من كل صوب وحدب، غشت وجهها بسترة من حجاب، صمت آذانها، خفضت من بصرها؛ لعلها تتقي شر الخلق. غير ان جميع محاولاتها لم تزيدها إلا جاذبية، ومزيدا من التحرش والغمز واللمز.
لم يكن رب العمل بأحسن حال من غيره. ابن بلد من أصول يهودية، شاءت الأقدار أن يستقر بهم المقام بهذا البلد ولقرون قد خلت؛ اندمجوا مع أهل البلد، امتهنوا التجارة ودخلوا السياسة؛ إلا أن أمل العودة كان دوما يراودهم، ويتطلعون إليه بفارغ الصبر؛ وكأنه وعد مقدس لا محيد عنه. وما أن تأتت لهم فرصة العودة حتى هب الجميع؛ اللهم القليل القليل منهم آثر التريث إلى حين. حاول أن ينأى بنفسه بعيدا عنها إلا أنه سرعان ما خانه كبرياؤه؛ ليرضخ صاغرا أمام سلاح قاتل اسمه الأنوثة، فاق كل خيال لم يستطيع معه صبرا؛ ليخرج عن صمته ويسر لها بما يكنه من إعجاب اتجاهها. افرد لها سكنا يليق بها، اغدق عليها الهدايا كعربون محبة؛ يرتجي من ورائه مرضاتها. نحت بالعاطفة جانبا، فكرت مليا؛ لتخلص إلى واقع يعفيها مغبة القلق، الرذيلة، الحاجة. وبدون ادنى تردد اجابته إلى مبتغاه، أقبلت عليه؛ فتقبلها بقبول حسن، وكأنها هبة من السماء حلت عليه؛ لتملأ عليه وحدته، وتشعره بأنه مازال حيا يرزق. طفرة من خلالها أحيت شيبه إلى شبابه، واعادته عشرين سنة إلى الوراء.
وفي لحظة احسنت توقيتها، تصنعت البراءة، ادرفت الدموع وصاحت تولول: وا مصيبتنا يا للعار… وقف مشدوها أمام هذا المشهد، ولم يدر ما يقدم ولا ما يؤخر؛ اخذها إلى صدره، ربت على كتفها بمنتهى الحنية. انطلت عليه حيلتها، بلع الطعم؛ ولم يراوده أدنى شك في أن الحمل من غيره. اختلطت عليه المفاهيم، وبقدر ما خاف على نفسه من أسرة، تنتظر منه تصفية ما بقي لديها من ممتلكات؛ ليلحق بها، بقدر ما خاف على نفسه من عاقبة الاعتراف ببنوة من مسلمة، لن يسمح بها اطلاقا المجتمع اليهودي. شد على رأسه بكلتا يديه. لم يشأ ان يظلمها معه، ويحملها وزرا هي في غنى عنه؛ فكان الفندق وماحمل من حظها بيعا وشراء؛ ليعزم أمره فورا، ومن غير انتظار على الرحيل.
بلغ الحمل اشده، تحرك الجنين في بطنها، تحسست بيديها موقعه؛ فبدأ لها صاحب الفعل ماثلا حاضرا ولسان حاله يقول: ابني، ابني… رجعت بذاكرتها الى الوراء؛ فإذا بها حبلى بصور تتراقص أمام ناظريها. غير انها بقدر ما اشتاقت إليها؛ خافت منها. حاولت تناسيها إلا ان واقعها مع حملها؛ كان يؤرقها ويقض مضجعها. ومن غير ان تدر أسرعت في طلبه؛ فكانت فرحته لا تطاق وهو يتحسس من بين احشائها جنينا من صلبه، يتحرك يمنة ويسرة وكأنه يرد التحية. لم يشأ ان يسألها عن الماضي، ولا عن “من أين لك هذا“؛ وهو يرى الحاضر احلى. ويدا في يد، أخذا طريقهما إلى القرية التي انجبتهما؛ ليقيما عرسا لم تشهد له القبيلة مثيلا. لم يجرؤ اي أحد على مواجهتها بحقيقة حملها؛ وكأن واقع حالها لخير شفيع لها على ما كان بهذا المكان، وما كان بذلك المكان. وفي ليلة ليلاء كان القمر لها عنوانا، وعلى أضواء كاشفة، نصبت خيمة كبيرة، امتلأت عن آخرها.
تليت الفاتحة وعقد القران؛ ليبدأ حفل الزفاف. ومع انطلاق زغرودة مدفوعة الثمن، كسرت حاجز الصوت، بدأت زفة العرسان؛ فتعالت دقات الطبول وصدعت الحناجر بالأهازيج. ليختم الزفاف بما لذ وطاب من أكل وشرب؛ فكان مسك الختام الدعوات للعرسان باليمن والبركات. لتعود تتراقص على أنغام الناي ولا من شاف ولا من درى…