جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

قراءة في مشروع القانون الجديد ..المجلس الوطني للصحافة بين الشرعية الدستورية ومتطلبات الإصلاح

0 17

في جلسة أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، قدّم وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، عرضًا مفصلًا حول مستجدات مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وذلك عقب قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26 الذي قضى بعدم دستورية بعض المقتضيات الواردة في النص الأصلي. هذا القرار أفضى إلى إدخال تعديلات جوهرية على المشروع، أعادت رسم ملامح المجلس وهيكله التنظيمي بما يتوافق مع الشرعية الدستورية ويعزز مبادئ التمثيلية والشفافية.
أولى هذه التعديلات تمثلت في تقليص عدد أعضاء المجلس من 19 إلى 17 عضوًا، عبر حذف عضوين من فئة الناشرين الحكماء، انسجامًا مع ما نص عليه قرار المحكمة الدستورية. كما تم تعديل صياغة المادة الخامسة للتنصيص على ضرورة تخصيص مقعد واحد على الأقل للنساء داخل كل منظمة مهنية تحصل على أكثر من مقعد واحد، وهو ما يعكس توجهًا نحو تعزيز الحضور النسائي في مؤسسات الصحافة والنشر. وفي السياق ذاته، تم حذف الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة لتتلاءم مع الصياغة الجديدة للمادة الخامسة، وإعادة صياغة المادة 49 بما يرسخ نظامًا انتخابيًا يقوم على مبدأ التناسب في توزيع المقاعد، من خلال اعتماد القاسم الانتخابي وقاعدة أكبر البقايا، بما يضمن عدالة التمثيل بين مختلف المنظمات المهنية.
كما شملت التعديلات إعادة صياغة الفقرة الثانية من المادة 93، حيث تم التنصيص على استثناء رئيس وأعضاء لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية من عضوية لجنة الاستئناف التأديبية، وذلك لضمان استقلالية القرارات التأديبية وتفادي تضارب المصالح. وتم أيضًا تعديل المادة 96 بإحداث لجنة جديدة للإشراف على عمليتي انتخاب ممثلي الصحافيين وانتداب ممثلي الناشرين داخل المجلس، بدل اللجنة المؤقتة التي انتهت ولايتها، وهو ما يعكس حرص المشرع على إرساء آليات دائمة وشفافة للإشراف على العملية الانتخابية.
المشروع الجديد ينص على أن المجلس الوطني للصحافة يتألف من 17 عضوًا موزعين على ثلاث فئات: سبعة أعضاء يمثلون الصحافيين المهنيين، من بينهم ثلاث صحافيات على الأقل، ينتخبهم الصحافيون أنفسهم؛ سبعة أعضاء يمثلون الناشرين تنتدبهم المنظمات المهنية، مع إلزامية تخصيص مقعد واحد على الأقل للنساء في حالة حصول المنظمة على أكثر من مقعد؛ وثلاثة أعضاء يمثلون مؤسسات وهيئات دستورية، وهي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. هذه التركيبة تعكس توازنًا بين التمثيل المهني والمؤسساتي، وتؤكد على إشراك مختلف الفاعلين في قطاع الصحافة والإعلام.
أما المادة 49 فقد جاءت لتضع ضوابط دقيقة لعملية توزيع المقاعد، حيث نصت على عدم مشاركة المنظمات المهنية التي حصلت على أقل من 10 في المائة من العدد الإجمالي للحصص التمثيلية في عملية التوزيع، مع اعتماد القاسم الانتخابي لتحديد المقاعد، وتخصيص المقاعد المتبقية وفق قاعدة أكبر البقايا، وفي حالة التعادل يتم منح المقعد للمنظمة التي تشغل أكبر عدد من المستخدمين في قطاع الصحافة والنشر. هذه الآلية تهدف إلى ضمان عدالة التمثيل وتفادي هيمنة منظمات صغيرة على حساب التوازن العام.
كما تم تحديد تركيبة لجنة الاستئناف التأديبية لتضم رئيس المجلس أو نائبه، ورؤساء اللجان الدائمة باستثناء لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية، مع إمكانية التعويض في حالة تعذر الحضور. وتم التنصيص على آليات دقيقة لمعالجة الشكايات ضد رؤساء اللجان أو رئيس المجلس نفسه، بما يضمن استقلالية القرارات التأديبية وشفافيتها.
وفي مرحلة انتقالية، نص المشروع على إحداث لجنة مؤقتة تتولى مهام المجلس وتحضير عمليات انتخاب ممثلي الصحافيين وانتداب ممثلي الناشرين، على أن تتكون من قاضٍ يعينه المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وعضو من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وعضو من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وعضوين يعينهما رئيس الحكومة من فئة الناشرين والصحافيين المهنيين. وقد تم التنصيص على أن أعضاء هذه اللجنة لا يحق لهم الترشح لعضوية المجلس المقبل، ضمانًا للحياد، وتنتهي مهمتها بمجرد تنصيب المجلس الجديد.
بهذا الشكل، يظهر أن مشروع القانون 09.26 في صيغته المعدلة يسعى إلى إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وفق أسس دستورية وقانونية متينة، مع تعزيز التمثيلية النسائية، وضمان عدالة التوزيع بين المنظمات المهنية، وإرساء آليات شفافة ومستقلة في المجال التأديبي والانتخابي. وهو ما يعكس إرادة سياسية وتشريعية لتقوية مؤسسات الصحافة، وضمان استقلاليتها، وتكريس دورها في حماية حرية التعبير وترسيخ أخلاقيات المهنة.

هيئة التحرير

تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!