في زمن تتسارع فيه التحولات الدبلوماسية وتعيد فيه الدول حساباتها وفق مصالحها الاستراتيجية، يظل ملف الصحراء المغربية شاهدًا على صراع الإرث الأيديولوجي مع منطق الواقعية السياسية. فبينما نجح المغرب في إقناع أكثر من خمسين دولة بسحب اعترافها بالكيان الانفصالي، ما تزال مجموعة محدودة من الدول، أغلبها في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، متمسكة بمواقفها القديمة، مدفوعة بعوامل تاريخية، أيديولوجية، أو مصالح مرتبطة بالجزائر. إن استمرار هذا الاعتراف ليس انعكاسًا لقوة الجبهة الانفصالية، بل هو بقايا من زمن الحرب الباردة، حيث كانت مفاهيم “تصفية الاستعمار” و”حق تقرير المصير” تُستعمل كأدوات سياسية أكثر منها مبادئ قانونية. اليوم، ومع تنامي الدعم الدولي لمغربية الصحراء، خاصة من أوروبا والعالم العربي، يتضح أن هذه المواقف المعزولة تعيش على هامش التحولات الكبرى، وأنها محكومة بالزوال مع اتساع دائرة الواقعية الدبلوماسية. ولا يمكن إغفال أن هذا الاعتراف المتبقي قائم أساسًا على الدعم المالي الجزائري، إذ تخصص الجزائر ميزانيات ضخمة لتمويل أنشطة البوليساريو، وتتحمل تكاليف تشغيل المخيمات في تندوف، كما تقدم مساعدات لبعض الدول الأفريقية واللاتينية مقابل استمرارها في الاعتراف. إنه اعتراف قائم على شراء الولاءات أكثر منه على قناعة سياسية أو قانونية، وهو ما يفسر تراجعه التدريجي أمام توسع المغرب في بناء شراكات اقتصادية حقيقية مع نفس الدول. المغرب، عبر دبلوماسيته الملكية ومشاريعه الاقتصادية الكبرى، ينجح في تحويل القضية من نزاع إيديولوجي إلى شراكة استراتيجية، حيث باتت الدول ترى في دعم الوحدة الترابية للمملكة مدخلًا للتعاون والتنمية، لا مجرد موقف سياسي. وهكذا، فإن الاعترافات المتبقية بالكيان الوهمي ليست سوى صدى ضعيف لماضٍ يتلاشى أمام قوة الحاضر ومستقبل الوحدة المغربية. كل هذه الدول التي ما زالت تعترف بالكيان الانفصالي تستند بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الدعم الجزائري. الجزائر تعتبر ملف الصحراء المغربية محورًا أساسيًا في سياستها الخارجية، وتوظفه كأداة لتعزيز نفوذها الإقليمي وإبراز دورها في القارة الأفريقية هذا الدعم يتخذ عدة أشكال: سياسيًا: عبر الضغط داخل الاتحاد الأفريقي وبعض المنظمات الدولية. مالياً ولوجستيًا: من خلال تمويل الجبهة وتوفير مقرات ومخيمات في تندوف. إعلاميًا ودبلوماسيًا: عبر حملات دعائية وتنسيق مع الدول ذات الخلفية الأيديولوجية القديمة. وبالتالي، فإن استمرار اعتراف هذه الدول ليس انعكاسًا لقوة البوليساريو نفسها، بل هو نتيجة مباشرة للنفوذ الجزائري، الذي يظل العامل الحاسم في بقاء هذا الاعتراف قائمًا. وحسب أحدث المعطيات، عدد الدول التي ما زالت تعترف بالكيان الانفصالي (البوليساريو) تراجع بشكل كبير، ولم يعد يتجاوز حوالي 16 إلى 20 دولة، أغلبها في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. ومن أبرز هذه الدول: شمال أفريقيا: موريتانيا. تونس، مصر غرب أفريقيا: مالي، نيجيريا. شرق أفريقيا: إثيوبيا، أوغندا، كينيا، رواندا، تنزانيا. جنوب أفريقيا: جنوب أفريقيا، أنغولا، موزمبيق، زيمبابوي، ناميبيا، بوتسوانا. أمريكا اللاتينية: كوبا. هذا التراجع يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في إقناع أكثر من خمسين دولة بسحب اعترافها، عبر تعزيز الشراكات الاقتصادية، مشاريع استراتيجية مثل أنبوب الغاز مع نيجيريا، والانفتاح على أفريقيا وأمريكا اللاتينية. الاتجاه العام اليوم هو أن الاعتراف بالبوليساريو أصبح محصورًا في دول ذات خلفية أيديولوجية أو تحت تأثير مباشر للجزائر، بينما الأغلبية الساحقة من الدول تتحرك نحو دعم مغربية الصحراء.