ابتزاز سياسي تحت غطاء رياضي: قراءة في طلب الوزير السنغالي للعفو الملكي
منذ نهائي كأس الأمم الإفريقية الأخير، وما رافقه من أحداث رياضية وسياسية، بدا أن العلاقة المغربية-السنغالية دخلت مرحلة جديدة من التوتر، ليس بسبب كرة القدم فقط، بل بسبب ما كشفته من خطاب شعبوي وابتزاز سياسي.
من الملعب إلى السياسة
حادثة المشجعين السنغاليين الذين أثاروا الفوضى في الملعب وتدخلوا مع الحراس لم تكن مجرد شغب رياضي. القضاء المغربي تعامل معها وفق القانون، وأصدر أحكاماً واضحة. لكن المفاجأة كانت في خطاب الوزير الأول السنغالي، الذي لم يكتفِ بالتعليق على القضية، بل طالب ضمنياً بعفو ملكي عن هؤلاء المدانين، وكأن المغرب لا يملك قراره السيادي، أو كأن سيادته قابلة للمساومة. هذا الطلب، في جوهره، ليس بريئاً، بل يعكس محاولة ابتزاز سياسي تحت غطاء رياضي.
ازدواجية المعايير
المفارقة أن الحكومة السنغالية لم تتحرك من أجل آلاف مواطنيها القابعين في السجون الفرنسية، لكنها تجرأت على مخاطبة المغرب في قضية مشجعين. هذه الازدواجية تكشف أن الضغط يُمارس حيث يُظن أن الاستجابة ممكنة، لا حيث تكمن المسؤولية الحقيقية. إنها رسالة سياسية بامتياز، تُظهر أن بعض الدول الأفريقية ما زالت تتعامل مع المغرب بمنطق الاستغلال لا بمنطق الشراكة.
الابتزاز المستمر عبر ملف الصحراء
طلب العفو الملكي ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من الابتزاز الذي يمارسه “الأشقاء” قبل “الأصدقاء”. فمنذ افتعال قضية الصحراء، ظل المغرب يواجه محاولات متكررة لانتزاع تنازلات، سواء عبر المواقف الرسمية أو عبر المناورات الإعلامية. واليوم، يظهر أن السنغال أيضاً تستعمل هذا الملف بشكل غير مباشر، عبر لغة صدامية في البرلمان، واستفزازات إعلامية، وصولاً إلى محاولة الضغط في قضية المشجعين.
لعبة الأمم وحرب الموانئ
لا يمكن فصل هذا الابتزاز عن السياق الأوسع في غرب إفريقيا: انقلابات عسكرية، حضور روسي وصيني، محاولات أمريكية لإعادة رسم النفوذ عبر مشاريع الموانئ. مشروع ميناء الداخلة الأطلسي العملاق يغير قواعد اللعبة، ويهدد مكانة موانئ السنغال كمنفذ أساسي لدول الساحل. هذا البعد الاقتصادي يفسر جانباً من التوترات الأخيرة، ويكشف أن طلب العفو الملكي ليس مجرد قضية رياضية، بل انعكاس لصراع مصالح أعمق.
الشعبوية كأداة حكم
الخطاب الشعبوي الذي اعتمدته أنظمة عدة في إفريقيا، ومنها السنغال، يقوم على تهييج الجماهير وترويج نظرية المؤامرة. لكنه خطاب قصير المدى، لأنه يرفع سقف الأمل الذي يتحول سريعاً إلى إحباط. وعندما تعجز هذه الأنظمة عن الاستجابة لانتظارات شعوبها، تلجأ إلى افتعال خصومات خارجية أو ابتزاز الحلفاء، كما حدث مع المغرب.
طلب الوزير السنغالي للعفو الملكي ليس مجرد موقف عابر، بل هو ابتزاز سياسي مقنّع، يندرج ضمن استراتيجية أوسع لتوظيف الرياضة والملفات السيادية في لعبة الأمم. المغرب، الذي راهن على منطق رابح-رابح، يجد نفسه أمام شركاء يفضلون البقاء في مستنقع الحسابات الضيقة. الحل الجذري يكمن في إنهاء ملف الصحراء، لأنه سيحرر المغرب من أوراق الضغط التي تستعملها دول شقيقة قبل أن تكون خصوماً.
السيادة المغربية ليست شعاراً، بل ممارسة يومية، والرياضة ليست مجرد مباراة، بل انعكاس لموازين القوى. والمغرب، الذي اختار طريق الشراكة، لن يقبل أن يُستغل هذا الخيار ليصبح غطاءً لمهازل متكررة.


