المغرب والولايات المتحدة يحتفلان اليوم بمرور قرنين ونصف على صداقة دبلوماسية فريدة من نوعها، بدأت منذ أن اعترف المغرب باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777، وتُوجت بمعاهدة السلام والصداقة الموقعة سنة 1786، وهي الأقدم في تاريخ الولايات المتحدة وما تزال سارية المفعول حتى اليوم. إن هذا الاحتفال ليس مجرد استذكار لمحطات تاريخية، بل هو تجديد للعهد على مواصلة التعاون في مختلف المجالات، من السياسة والأمن إلى الاقتصاد والثقافة. بعد استقلال المغرب سنة 1956، كانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف رسميًا بالمغرب المستقل، حيث بادر الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور إلى تعيين سفير بلاده في الرباط. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح المغرب أحد أبرز الحلفاء الاستراتيجيين لواشنطن في العالم العربي والإسلامي، وهو ما تعزز بشكل خاص في عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي نسج علاقات صداقة مستمرة مع رؤساء الولايات المتحدة. وقد شهدت هذه العلاقات محطات بارزة، منها مشاركة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في جنازة الملك الحسن الثاني، والتي شكلت اعترافًا بمكانة المغرب ودوره السياسي والدبلوماسي. كما انخرط المغرب في الاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مساندًا الإجراءات الأمريكية، مما عزز التعاون الأمني والسياسي بين البلدين. ثانيا: الزيارات الملكية زيارة جلالة الملك محمد الخامس: جاءت في سياق مرحلة التحرر الوطني، لتؤكد أن المغرب المستقل يضع علاقاته مع الولايات المتحدة في إطار الاحترام المتبادل والدعم المشترك لقيم الحرية. زيارة جلالة الملك الحسن الثاني: اتسمت بطابع استراتيجي، حيث ناقش قضايا الأمن الإقليمي والسلام في الشرق الأوسط، وأبرز مكانة المغرب كفاعل أساسي في الحوار الدولي. زيارات جلالة الملك محمد السادس: حملت روح العصر الجديد، حيث ركزت على التعاون الاقتصادي، الاستثمار، الطاقة المتجددة، والتبادل الثقافي، مما عزز صورة المغرب كجسر بين إفريقيا وأمريكا والعالم. ثالثا: العلاقات الاقتصادية والتجارية تشكل الولايات المتحدة أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للمغرب، حيث: وقع الطرفان اتفاقية التبادل الحر سنة 2004، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2006، لتجعل المغرب أول بلد إفريقي يعقد مثل هذه الشراكة مع واشنطن. يشمل التعاون مجالات متعددة مثل الطاقة المتجددة، الصناعات التحويلية، الفوسفاط، والمنتجات الزراعية. تمثل هذه الاتفاقية أكثر من مجرد إطار اقتصادي، فهي تحمل دلالة سياسية تؤكد مكانة المغرب كشريك استراتيجي في المنطقة. رابعا: الاعتراف بالصحراء المغربية في خطوة تاريخية، اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهو موقف يعكس عمق الثقة السياسية والدبلوماسية بين البلدين. هذا الاعتراف: يعزز موقع المغرب في الساحة الدولية. يفتح آفاقًا جديدة للتعاون الأمني والاقتصادي في المنطقة. يؤكد دعم واشنطن لوحدة المغرب الترابية واستقراره الإقليمي. خامسا: دور الجالية المغربية في الولايات المتحدة تبرز الجالية المغربية في الولايات المتحدة كجسر إنساني وثقافي، يساهم في تعزيز الروابط الشعبية ويعكس صورة المغرب المتجددة في قلب المجتمع الأمريكي. أما على المستوى الاقتصادي، فإن اتفاقية التبادل الحر، والاستثمارات المشتركة في الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية، تؤكد أن هذه العلاقة ليست فقط تاريخية، بل هي أيضًا عملية وموجهة نحو المستقبل. سادسا: آفاق التعاون المستقبلي مع تطور التحديات العالمية، تتجه العلاقات المغربية–الأمريكية نحو: تعزيز التعاون في التحول الطاقي والابتكار التكنولوجي. دعم المبادرات المشتركة في الأمن الغذائي والتنمية المستدامة. توسيع فضاءات الحوار الثقافي والدبلوماسي بما يخدم السلام والازدهار العالمي. إن مرور 250 عامًا على هذه الصداقة الدبلوماسية هو مناسبة للاحتفاء بتاريخ مشترك، وللتأكيد على إرادة البلدين في بناء مستقبل أكثر إشراقًا، قائم على التعاون، الاحترام المتبادل، والدفاع عن قيم السلام والازدهار العالمي.