تعتبر أعياد الوطن محطات استثنائية لاستحضار الملاحم الكبرى التي صنعت مجد المملكة المغربية، وفي مقدمتها «عيد الوحدة» الذي يجسد رمزية تاريخية وروحية عميقة؛ فهو العيد الذي تتداخل فيه أبعاد ثلاثة صنعت استقرار المغرب وريادته: وحدة التراب الوطني من شماله إلى جنوبه، ووحدة الشعب المغربي الأبي وتلاحمه المتين مع العرش، ووحدة الرؤية والامتداد بين الملوك الثلاثة — محمد الخامس، والحسن الثاني، ومحمد السادس، نصره الله. إن هذه الثلاثية الفريدة لم تكن فقط درعاً حصيناً لحماية سيادة المملكة وصون مقدساتها، بل كانت أيضاً المحرك الأساسي لإرساء دعائم دولة حديثة وقوية، استطاعت بحكمة قادتها وتماسك أبنائها أن تتبوأ مكانة مرموقة في المحفل الدولي كنموذج يستلهم منه العالم قيم السلم والسلام، والاعتدال والتنمية الاستراتيجية المستدامة.
مسيرة الملوك الثلاثة: عقيدة العرش وتناغم الروح والتنمية.. من تحرير الوطن إلى استدامة الحداثة
في تاريخ الأمم والحضارات، نادراً ما تتقاطع قيادة أمة مع مصيرها بثلاثية متصلة الحلقات تضمن الاستمرارية والنهوض، كما تجسد ذلك في المسار المعاصر للمملكة المغربية. فعلى مدى عقود، لم يكن عرش العلويين مجرد مؤسسة حكم تقليدية، بل شكل العقب والعمود الفقري الذي التئمت حوله الهوية الروحية، واللحمة الوطنية، والدينامية التنموية. من استقلال عانقه الدمع والدم تحت قيادة السلطان محمد الخامس، مروراً بعبقرية بناء الدولة الحديثة وسياسة السدود والمسيرة الخضراء التي خطها الملك الراحل الحسن الثاني، وصولاً إلى ثورة الأوراش الكبرى والترسيخ الدبلوماسي لمغربية الصحراء في عهد جلالة الملك محمد السادس. إنها قصة أمة استطاعت بحكمة ملوكها أن تحول كل تحد وجودي إلى ملحمة بناء متجددة. محمد الخامس.. روح المقاومة، وحرية الوطن والمواطن لم يكن استقلال المغرب سنة 1956 مجرد وثيقة قانونية تنهي حقبة الحماية الفرنسية-الإسبانية، بل كان تتويجاً لملحمة روحية ووطنية فريدة من نوعها عرفت بـ “ثورة الملك والشعب”. في قلب تلك العاصفة، تجسد العمق الروحي للعرش العلوي في أبهى صور التلاحم عندما رفض السلطان محمد الخامس، طيب الله ثراه، التنازل عن سيادة الأمة أو شرعيتها، مفضلا المنفي القسري في مدغشقر على عرش مقيد بإرادة المحتل. استقصائياً، يؤكد المؤرخون أن قوة الملك محمد الخامس لم تكن مستمدة فقط من صفته السياسية، بل استندت إلى شرعيته الروحية باعتباره أميرا للمؤمنين، وهو ما جعله رمزا جامعا لشتات القبائل والأطياف المغربية كافة. وعندما عاد الملك المظفر سنة 1955، لم يعد مجرد حاكم منتصر، بل عاد ليضع حجر الأساس لمغرب ما بعد الاستقلال؛ مغرب التعددية الحزبية، وإرساء المؤسسات الدستورية الأولى، وتثبيت مرجعية إسلامية وسطية سمحة تحمي الهوية وتفتح أبواب الحداثة. الحسن الثاني.. هندسة الدولة الحديثة، معجزة المسيرة الخضراء، وعبقرية الماء إذا كان محمد الخامس قد زرع شجرة الاستقلال، فإن الملك الباني الحسن الثاني، طيب الله ثراه، قد تعاهدها بالرعاية حتى أضفت أصولا وجذورا صلبة للدولة الحديثة. تميز عهد الراحل بجرأة استراتيجية نادرة، توجت بعبقرية “المسيرة الخضراء” سنة 1975؛ تلك اللوحة السلمية الفريدة التي أبهرت العالم، وحررت الأقاليم الجنوبية للمملكة من براثن الاستعمار الإسباني دون إطلاق رصاصة واحدة، معلنة عودة الحق لأصحابه بقوة الإيمان والتعبئة الشعبية. وعلى الصعيد التنموي والاقتصادي، تحفر “سياسة السدود” اسمها كأبرز معالم البصيرة الاستشرافية للحسن الثاني. ففي وقت كانت فيه إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط تعاني من تقلبات مناخية عشوائية، أطلق الملك الراحل برنامجا طموحا لبناء السدود الكبرى، موفرا بذلك للبلاد أمنا مائيا وغذائيا حصنها من الأزمات لعقود طويلة. لقد أرسى الحسن الثاني قواعد الاقتصاد الليبرالي المنفتح، وشيد البنيات التحتية الأساسية كالطرق السيارة، ليبني دولة ذات قرار سيادي مستقل وحضور إقليمي ودولي وازن. محمد السادس.. ثورة التنمية البشرية، الأوراش الكبرى، وتثبيت الحكم الذاتي ومع تولي صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله مقاليد الحكم، دخل المغرب عصرا جديدا يتسم بالجرأة الإصلاحية، والعدالة الاجتماعية، والدبلوماسية الهجومية الفاعلة. استثمر العاهل المغربي الإرث التاريخي ليقود ثورة تنموية هيكلية غيرت معالم المملكة من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. حيث أطلق جلالة الملك المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH) كورش ملكي مستدام استهدف محاربة الفقر والتهميش في القرى والمدن، بالتوازي مع إطلاق أوراش استراتيجية ضخمة كمركب “طنجة المتوسط” و”الناظور غرب المتوسط”، ومحطات الطاقات المتجددة كـ “نور ورزازات”، لتصبح المملكة رائدة إقليميا في الاقتصاد الأخضر واللوجستيات البحرية. كما واصل جلالة الملك تعزيز إمارة المؤمنين كحصن منيع للأمن الروحي والوطني، ناشراً قيم الوسطية والاعتدال، واحتضان العلماء الأفارقة من خلال مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، مما جعل المغرب مرجعية دينية عالمية. وعلى الواجهة الدبلوماسية، توجت رؤية الملك محمد السادس بتكريس مغربية الصحراء عبر اعترافات دولية وازنة ومقرات قنصلية في الأقاليم الجنوبية، مع الدفع بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل الواقعي الوحيد، مقرونة بمشاريع تنموية كبرى جعلت من الصحراء المغربية قطباً اقتصادياً وبوابة رئيسية نحو العمق الإفريقي.
لقد ربط الملك محمد السادس بين الماضي والحاضر، فجعل من ذكرى الاستقلال والمسيرة الخضراء وعيد الوحدة مناسبات لتجديد العهد على مواصلة الإصلاحات الكبرى، وتعزيز مكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي، وتثبيت مغربية الصحراء كحقيقة راسخة في الوجدان والواقع. إن هذه الأعياد الوطنية الثلاثة – عيد الاستقلال، عيد المسيرة الخضراء وعيد الوحدة، – ليست مجرد مناسبات للاحتفال، بل هي محطات للتأمل والوفاء، تذكرنا بأن الحرية والوحدة والتنمية هي أعمدة المغرب الحديث. وهي أيضًا سلسلة ذهبية صنعها الملوك الثلاثة: محمد الخامس الذي قاد التحرير، الحسن الثاني الذي قاد الوحدة، ومحمد السادس الذي يقود التنمية والتحديث. إنها أعياد تؤكد أن المغرب أمة متجذرة في تاريخها، متطلعة إلى مستقبلها، وأن الشعب المغربي، بقيادة ملوكه، قادر على مواجهة التحديات وصناعة الانتصارات، في مسيرة لا تنكسر ولا تتوقف. إن مسيرة الملوك الثلاثة، في جوهرها، ليست سرداً زمنياً عابراً، بل هي عقيدة أمة؛ روح ترعى الهوية، وتنمية تبني الإنسان، ومؤسسات تحمي الوطن من تقلبات الزمن، ليبقى المغرب واحة للسلم، والسلام، والاستقرار.