شهدت أروقة مجلس الأمن الدولي، مؤخراً، تحولاً مفصلياً في إدارة السجال الدبلوماسي حول ملف الصحراء المغربية، بعدما وجّه الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، السفير عمر هلال، ضربة مباكرة للرواية الرسمية الجزائرية التي طالما تسلحت بعبارة “الدولة المجاورة والمراقبة غير الطرف”. ولم تعد الدبلوماسية المغربية تكتفي بالرد التقليدي على الملاحظات الجزائرية، بل انتقلت بجرأة استراتيجية إلى مربع “المساءلة المباشرة وتفكيك الأدوار”، مبرزة ذلك التناقض الصارخ بين ما تعلنه الجزائر إعلامياً وسياسياً، وبين ما تمارسه عملياً داخل دواليب ومسارات الأمم المتحدة. طالما حاولت الدبلوماسية الجزائرية التخفي خلف جبهة “البوليساريو” لتقديم النزاع باعتباره قضية “تصفية استعمار” ثنائية البعد. غير أن المداخلة القوية للسفير عمر هلال نسفت هذا الادعاء من أساسه، مسلطة الضوء على المعطيات الميدانية للأمم المتحدة ذاتها. فالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة يلتقي بالمسؤولين الجزائريين في العاصمة الجزائر بصفتهم جزءاً لا يتجزأ وثابتاً من آلية المشاورات السياسية، كما أن المعارك الدبلوماسية وصياغة وتعديل مضامين ومصطلحات القرارات الأممية تتم عبر محادثات مباشرة ومكثفة بين الوفد الجزائري والقوى الكبرى داخل مجلس الأمن. هذا الحضور التفصيلي والتفاوضي وضع الجزائر أمام مأزق أخلاقي وسياسي صريح: إذا كانت الجزائر مجرد دولة مجاورة محايدة لا علاقة لها بجوهر النزاع، فما الذي يدفعها للتفاوض والصراع اليومي حول كل حرف يخص الحل السياسي في مجلس الأمن؟ ولم يتوقف الطرح المغربي عند البعد السياسي المجرد، بل امتد ليلامس جغرافيا الأزمة والالتزامات القانونية الدولية من خلال ملف مخيمات تندوف، الواقعة فوق التراب الجزائري وتحت سيادتها الإقليمية الكاملة. وفي هذا الصدد، أربك الطرح المغربي الموقف الجزائري عبر نقطتين جوهريتين؛ الأولى تتعلق بالمسؤولية القانونية للجزائر كـ “دولة مضيفة” ترفض الخضوع لأبسط القواعد الإنسانية الدولية عبر الامتناع عن إجراء التسجيل والإحصاء الرسمي للسكان المحتجزين بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. والثانية تتمثل في سلاح “حق العودة”؛ حيث تساءل هلال عن الأسباب الحقيقية والذرائع التي تمنع فتح باب العودة الطوعية لمن يرغب من سكان المخيمات نحو وطنهم الأم في الأقاليم الجنوبية للمغرب، معتبراً أن ربط العودة بشروط سياسية مسبقة ليس سوى آلية مقصودة لإدامة المعاناة الإنسانية واستغلالها كأوراق ضغط جيوسياسية. إن هذا التحول العميق في الخطاب المغربي أدى إلى إعادة ترتيب المفاهيم لدى المنتظم الدولي؛ فالجزائر لم تعد تظهر بمظهر “الوسيط” أو “المراقب المتعاطف”، بل انكشفت كطرف رئيسي أصيل يتحمل المسؤولية الكاملة عن تعطيل الحلول وإطالة أمد الأزمة. وبقيادة محنكة للسفير عمر هلال، نجحت الدبلوماسية المغربية في إخراج الجزائر من منطقة الراحة الدبلوماسية، وتحويلها من موقع المُحاسِب المتعالي الذي يوزع الدروس إلى موقع المُحاسَب المطالَب أمام مجلس الأمن بتوضيح حدود توظيفه المباشر واستثماره في هذا النزاع الإقليمي المفتعل.