تطرح مسألة القرابة والوراثة السياسية داخل المجالس التشريعية والبرلمانات عبر العالم أسئلة جوهرية حول الحدود الفاصلة بين الامتداد السياسي الطبيعي للنخب وبين تكريس الريع والمحسوبية على حساب الكفاءة والديمقراطية التمثيلية. إن ظاهرة توريث المقاعد النيابية وتمكين الأبناء والأقارب من مناصب القرار تحت مظلة التزكيات الحزبية الموجهة تصبح الممارسة الأكثر ضررا عندما تحول التمثيل الشعبي من مساحة للدفاع عن قضايا الوطن إلى وسيلة لحماية النفوذ والمصالح الأسرية الضيقة. وفي المشهد المغربي لم تعد هذه الممارسات مجرد حالات استثنائية، بل أضحت شبكة متكاملة من التحالفات العائلية التي تسيطر على الخريطة البرلمانية في مختلف الجهات. ويظهر هذا الامتداد جليا من خلال حضور أبناء وأقارب قيادات بارزة وعائلات نافذة احتكرت العمل السياسي لسنوات؛ بالإضافة إلى تجارب ونماذج متعددة شهدت صعود أبناء وأقارب مسؤولين في السابق. إن هذا الإصرار على تحويل قبة البرلمان إلى مجلس للعائلات يساهم بشكل مباشر في إفراغ المؤسسات التنافسية من محتواها، ويفقد المواطن الثقة في الجدوى من العملية الانتخابية برمتها، حيث تجعل سيطرة المحسوبية والعلاقات الأسرية التنافس السياسي مجرد ديكور شكلي بلا جوهر. وفي الوقت الذي تحتاج فيه الشعوب إلى نخب كفءة وقادرة على الترافع الحقيقي عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة، يصر القائمون على المشهد الحزبي على تكريس الزبونية وتوزيع الغنائم الانتخابية، مما يفرض اليوم ضرورة مراجعة شاملة للقوانين المنظمة وتفعيل آليات محاسبة صارمة تقطع مع الريع الانتخابي وتفتح الباب أمام الكفاءات والطاقات الشابة الراغبة في خدمة الصالح العام بعيدا عن الحسابات الضيقة والتكسب العائلي. وأمام هذا الواقع المعقد، أصبحت الحاجة ماسة لدى الصحافة المستقلة والفاعلين الحقوقيين إلى التفكير الجدي في تأسيس مدونة أو مرصد خاص برصد الوراثة والمحسوبية داخل البرلمان المغربي، كخطوة إعلامية ونقدية جريئة تفتح باباً واسعاً أمام أسئلة سياسية عميقة تتعلق بمدى جدوى ومستقبل العمل النيابي في البلاد. إن إطلاق منصة تعنى بتتبع هذه الظاهرة وتوثيق الخارطة العائلية داخل قبة التشريع من شأنه أن يسلط الضوء بوضوح على مكامن الخلل في المنظومة الحزبية والانتخابية. تتيح مثل هذه المبادرة الصحفية إمكانية بناء قاعدة بيانات موثقة تكشف شبكات المصالح والتزكيات العائلية، وتعرّي كيف تحولت أحزاب وتكتلات سياسية إلى مجرد أدوات لتمرير التركة السياسية بين الآباء والأبناء والأقارب. كما توفر المنصة مساحة لتكثيف النقاش العمومي حول أسباب عزوف الشباب عن المشاركة السياسية، وتبرز الهوة المتزايدة بين التطلعات الشعبية والممارسات التكسبية لبعض النخب المقربة من مراكز القرار. غير أن نجاح هذه المبادرة يتطلب دراسة دقيقة للزاوية التحليلية وطبيعة المحتوى المقدم، حتى لا تقتصر المدونة على السرد بل تتعداه إلى تقديم تحليل نقدي شامل يُربط فيه التوريث السياسي بتراجع الأداء التشريعي والرقابي، وضعف النجاعة في التعاطي مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحارقة التي تشغل الشارع المغربي.