التعاونيات بالأقاليم الجنوبية: دينامية تنموية ورهان التمكين الاقتصادي والمجالي
تشكل التعاونيات بالمغرب أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وركيزة محورية لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة المجالية، خاصة في المناطق القروية والشبه حضرية التي تعتمد بشكل كبير على المبادرات الجماعية وتثمين الموارد المحلية. وقد شهد هذا القطاع تحولات هيكلية وعميقة خلال العقود الأخيرة، انتقل خلالها من أطر تقليدية ضيقة إلى نموذج اقتصادي واستثماري واعد يساهم بفعالية في خلق فرص الشغل، وتحسين دخل الفئات الهشة، وإدماج المرأة والشباب في الدورة الاقتصادية الوطنية.
ويرتبط تطور العمل التعاوني في المملكة بإصلاحات تشريعية ومؤسساتية متواصلة، كان أبرزها صدور القانون رقم 112.12 المتعلق بالتعاونيات، والذي أحدث قفزة نوعية في مبسطات التأسيس وآليات الحكامة والتدبير، متيحا للمبادرات الفردية والجماعية التكتل في كيانات قانونية مرنة وقادرة على المنافسة. وتتنوع المجالات التي تنشط فيها هذه الكيانات لتشمل الفلاحة والصنع التقليدي، وتثمين المنتجات المجالية كالأرجان والزعفران والعسل والزيوت والتحف الفولكلورية، إضافة إلى مجالات حديثة مثل الخدمات والتكنولوجيات والتنمية المستدامة، مما يعكس حركية المجتمع المدني والفاعلين المحليين في ابتكار حلول للتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم النجاحات المهمة التي حققتها العديد من التعاونيات المغربية، والتي استطاعت اقتحام الأسواق الوطنية والتصدير نحو الخارج وتحقيق علامات جودة معترف بها، إلا أن القطاع ما زال يواجه عقبات متعددة تؤثر على استدامته وتنافسيته. وتتمثل أبرز هذه التحديات في صعوبة الولوج إلى التمويل البنكي، وضعف آليات التسويق والتوزيع، ونقص التكوين المستمر في مجالات الإدارة والرقمنة والتسويق الحديث، إلى جانب تعقد مسالك الوسطاء التي تستنزف هامش ربح المنتج الأصلي. كما تعاني بعض التعاونيات من ضعف الحكامة الداخلية والاعتماد المفرط على الدعم العمومي دون تطوير نموذج اقتصادي مستقلم وقادر على الصمود أمام تقلبات السوق.
ولرفع هذه التحديات وضمان استمرارية هذا الخيار التنموي، يظل العمل متواصلا من طرف القطاعات الحكومية والمؤسسات الوصية لتوفير المواكبة والتدريب، وتسهيل المشاركة في المعارض الوطنية والدولية، وتشجيع الابتكار والتحول الرقمي داخل التنظيمات التعاونية. إن النهوض بالتعاونيات لا يقتصر على كونه خيارا اقتصاديا، بل هو استثمار اجتماعي يستهدف تقليص الفوارق، وترسيخ قيم التضامن، وتحويل الإمكانيات المحلية إلى ثروة حقيقية تنعكس مباشرة على جوار عيش المواطنين وتساهم في بناء اقتصاد وطني متين ومدمج.
تظهر المعطيات والإحصائيات الرسمية الصادرة عن مكتب تنمية التعاون (ODCO) دينامية متصاعدة للنسيج التعاوني بالمغرب، حيث يتجاوز إجمالي عدد التعاونيات الوطنية 65,300 تعاونية تضم ما يقارب 789,000 منخرط ومنخرطة.
إحصائيات الأقاليم الجنوبية بالمغرب
تتميز الأقاليم الجنوبية بحضور لافت للتعاونيات كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتثمين المنتجات المحلية، ويتوزع المشهد التعاوني بالجهات الجنوبية كالتالي:
جهة العيون – الساقية الحمراء:
عدد التعاونيات: 3,893 تعاونية.
عدد المنخرطين: 24,441 منخرطاً ومنخرطة.
التعاونيات النسائية: 888 تعاونية نسائية (تضم 5,870 منخرطة).
جهة كلميم – واد نون:
عدد التعاونيات: 3,464 تعاونية.
عدد المنخرطين: 23,982 منخرطاً ومنخرطة.
التعاونيات النسائية: 582 تعاونية نسائية (تضم 4,230 منخرطة).
جهة الداخلة – وادي الذهب:
عدد التعاونيات: 594 تعاونية.
عدد المنخرطين: 3,980 منخرطاً ومنخرطة.
التعاونيات النسائية: 104 تعاونيات نسائية (تضم 616 منخرطة).
توزيع التعاونيات حسب باقي جهات المملكة
تتوزع بقية التعاونيات عبر جهات المملكة وفق الترتيب التالي:
جهة الشرق: 9,115 تعاونية (99,707 منخرطين).
جهة مراكش – آسفي: 6,671 تعاونية (100,764 منخرطاً).
جهة فاس – مكناس: 6,616 تعاونية (65,881 منخرطاً).
جهة سوس – ماسة: 6,225 تعاونية (71,663 منخرطاً).
جهة درعة – تافيلالت: 6,198 تعاونية (80,872 منخرطاً).
جهة الدار البيضاء – سطات: 6,033 تعاونية (100,957 منخرطاً).
جهة طنجة – تطوان – الحسيمة: 5,918 تعاونية (64,172 منخرطاً).
جهة الرباط – سلا – القنيطرة: 5,448 تعاونية (68,606 منخرطين).
جهة بني ملال – خنيفرة: 5,140 تعاونية (83,944 منخرطاً).
التوزيع حسب القطاعات الرئيسية (على المستوى الوطني)
تتصدر الفلاحة والصناعة التقليدية قائمة القطاعات الأكثر استقطاباً للعمل التعاوني:
القطاع الفلاحي: 40,033 تعاونية.
الصناعة التقليدية: 12,744 تعاونية.
تجارة التجزئة: 1,583 تعاونية.
النباتات العطرية والطبية: 1,306 تعاونيات.
قطاع السكن: 1,282 تعاونية.
قطاع الأرجان: 1,101 تعاونية.
ملاحظة بارزة: تسجل الجهات الجنوبية مشاركة نسائية مرتفعة ومتميزة مقارنة بالمعدل الوطني؛ حيث تمثل التعاونيات النسائية نسبة مهمة تتجاوز 22% من إجمالي التعاونيات بالمنطقة، وتركز بشكل خاص على مجالات الفلاحة الصحراوية، تثمين الكسكس، تثمين حليب الإبل، الصناعة التقليدية، وتجميع وتسويق المنتجات المجالية والأنشطة البحرية.
أصداء مغربية

