في الخامس من أكتوبر من كل عام، يقف العالم إجلالًا أمام رجلٍ وامرأةٍ اختارا أن تكون رسالتهما النبيلة والشريفة في الحياة أن يصنعا الإنسان.إنه المدرس( ة)،ذلك الذي يدخل القسم كل صباح، حاملاً كتابًا في يده، وأملًا في قلبه، وإيمانًا بأن بين أولئك التلاميذ الصغار قد يولد غدٌ مشرق كبير بحجم امل الوطن. أيها المدرس( ة).. قد ينسى تلميذك بعد سنواتٍ درسًا شرحته،أو تاريخًا كتبته على السبورة، لكنه لن ينسى كلمةً طيبة قلتها له ، ولا يدًا حانية امتدت إليه حين تعثر، ولا ثقةً زرعتها في نفسه يوم كان يظن أنه لا يستطيع. فالمدرس الحقيقي لا يملأ ويحشو العقول بالمعلومات فقط، بل يوقظ فيها الأسئلة، ويفتح أمامها أبواب الحلم، ويزرع في القلوب قيم العلم والأخلاق والانتماء.فكم من طبيبٍ كان وراءه مدرسٌ آمن بقدراته،وكم من مهندسٍ شجعه مدرس،وكم من أديبٍ وشاعرٍ وعالمٍ بدأ رحلته من مقعدٍ دراسي، ومن كلمةٍ صادقة قالها له مدرس في لحظة من لحظات عمره. أيها المدرس(ة)..صحيح قد تتغير الكتب والمناهج، وتتطور الوسائل والتقنيات، وقد تدخل التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي إلى مدارسنا وفصولنا،لكن يبقى شيء لا تستطيع الآلة أن تمنحه للتلميذ كما يمنحه الإنسان: دفء الكلمة، ونظرة التشجيع، ولمسة الأمل. ففي يومك العالمي، لا نحتفي بمهنة فحسب، بل نحتفي برسالة، رسالة عنوانها: العلم نور والتربية بناء، والإنسان هو الغاية. فإلى كل مدرسة ومدرس، في مدن المغرب وقراه، وفي كل ربوع الوطن،لكم منا تحية وفاء، وقبلة على جبين العطاء، ودعاء بأن تظل البذور التي زرعتموها في عقول وقلوب الأجيال، أشجارًا وارفة الظلال ،يستظل بها الوطن. نعم ،قد يتقاعد المدرس من القسم،وقد يغادر السبورة، وقد يطوي دفتر التحضير، لكن رسالة المدرس لا تتقاعد، وأثره لا يغادر؛فكل تلميذٍ نجح، وكل عقلٍ أضاء، وكل إنسانٍ أصبح أفضل، بفضل كلمةٍ أو نصيحةٍ أو موقفٍ من معلمه، هو امتداد لذلك المدرس.فالمدرس لا يرحل حين يغادر المدرسة، لانه يبقى حيًّا في ذاكرة تلاميذه، حيًّا في نجاحاتهم،حيًّا في أخلاقهم،وحيًّا في كل خيرٍ يصنعونه في الحياة. ولهذا، ربما يكون أجمل ما يمكن أن نقوله في يوم المدرس:شكرًا لكل من علّمنا حرفًا، أو غرس فينا قيمة، أو أشعل فينا شمعة أمل شكرًا لأنكم لم تعلمونا كيف نقرأ الكتاب فقط،بل علمتمونا كيف نقرأ الحياة. وإذا كان بعض الناس يتركون آثارهم في الحجر، فإن المدرس يترك أثره في الإنسان،باعتباره المبتدا والمنتهى.وما أجمل أثرًا يبقى حيًّا، حتى بعد أن يغادر صاحبه الفصل، ويطوي الزمن صفحات العمر. أيها المدرس(ة) يا مربي(ة) الاجيال وصانع الامل في المستقبل، تيقن ملء اليقين، انك ما دمت تترك أثرًا طيبًا في الإنسان،فأنت لا ترحل وأنت لا تغيب!أنت، بحق، لا زلت حيًّا.. كل عام ومدرساتنا ومدرسونا بخير،كل عام وأنتم تصنعون المستقبل،وكل عام ورسالتكم النبيلة تنير دروب الأجيال.. تحية لكم من القلب إلى القلب.