شهد المغرب في السنوات الأخيرة تحولات نوعية على مستوى تمكين المرأة وإدماجها في مراكز القرار السياسي والتنفيذي؛ إذ لم يعد مستغرباً أن نرى النساء يتبوأن منصة قيادة الحكومة، أو يترأسون المجالس الجماعية والجهوية الكبرى، بل إن وزارة الداخلية نفسها فتحت أبواب سلك السلطة الترابية أمام أطر نسائية أثبتن نجاعة عالية في مهام القايدة والرئيسة والبشوية. غير أن هذا التطور الملموس في الهرم الإداري يضعنا أمام مفارقة لافتة كلما نزلنا إلى أسفل القواعد الترابية، حيث تطالعنا وظيفة “المقدم” و”الشيخ” كواحدة من أكثر وظائف الإدارة الترابية استعصاءً على التأنيث، رغم أنها تمثل الشريان الحيوي وخط التماس الأول بين وزارة الداخلية والمواطنين في أحيائهم ودواويرهم. إن غياب “المقدمة” عن الأزقة والأحياء المغربية يجد جذوره الأساسية في الطبيعة التاريخية والاجتماعية لهذه الوظيفة؛ فقد تُصوّرت مهام أعوان السلطة عقوداً طويلة باعتبارها آلية للضبط الميداني والتواجد المستمر في الفضاءات العامة التقليدية كالمقاهي والأسواق وتجمعات الأحياء، وهي فضاءات طبعها الحضور الذكوري المكثف. كما أن النمط القديم للانتقاء كان يعتمد بالأساس على الأعراف المحلية وشبكات العلاقات الذكورية لجمع المعطيات الأمنية والاجتماعية، مما كرس الانطباع بأن هذه المهمة الميدانية الصعبة تصعب ممارستها من طرف العنصر النسوي. غير أن الرهانات التنموية والاجتماعية الراهنة باتت تتطلب إعادة النظر في هذا المفهوم التقليدي. إن مهام أعوان السلطة اليوم لم تعد تقتصر على المراقبة أو استصدار الشواهد الإدارية السطحية، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في تدبير الأوراش الاجتماعية الكبرى، وعلى رأسها السجل الاجتماعي الموحد، وعمليات الإحصاء، وتتبع وضعية الأسرة والفئات الهشة. وفي هذا السياق الميداني، يمتلك العنصر النسوي أسبقية التواصل والتغلغل داخل البيوت، حيث تستطيع المرأة التعامل مع ربات الأسر والأمهات بأريحية أعلى وقدرة أكبر على استخلاص المعطيات الاجتماعية الدقيقة التي يتطلبها تدبير الدعم والخدمات العمومية. ولعل أهمية فتح باب هذا التوظيف لا تقتصر على تطوير النجاعة الإدارية فحسب، بل تمتد لتشكل حلاً عملياً وملموساً لإحدى أكبر معضلات سوق الشغل الوطني، والمتمثلة في تفاقم نسبة البطالة في صفوف الفتيات المتخرجات من الجامعات والمعاهد. إن إدماج الحاصلات على الشواهد والألقاب الأكاديمية في سلك أعوان السلطة يمنحهن فرصة حقيقية للاندماج المهني وتحقيق الاستقلالية المادية عبر دخل شهري قار يضمن مقومات العيش الكريم، وفي الوقت ذاته يُسهم في تثمين العنصر البشري وتحديث الإدارة الترابية، عبر ضخ دماء جديدة متعلّمة ومؤهلة لاستخدام التقنيات الحديثة وقراءة المعطيات الاجتماعية بكفاءة أعلى. إن الانسجام مع المبدأ الدستوري القاضي بالمناصفة وتكافؤ الفرص يفرض فتح هذا المرفق الحيوي أمام النساء، متجاوزاً الإكراهات الميدانية التقليدية المتعلّقة بطبيعة التواجد في الشارع؛ إذ أثبتت تجربة المرأة المغربية في أجهزة الشرطة، والدرك، والقيادة الترابية جدارتها الميدانية في التعامل مع أعتى التحديات الأمنية والإدارية. إن التفكير في توظيف “المقدمات” اليوم ليس مجرد استجابة لمطلب حقوقي أو شكلي، بل هو ضرورة عملانية واقتصادية لتطوير الإدارة الترابية، ومكافحة بطالة الكفاءات النسائية، وجعل الإدارة أكثر قرباً ونجاعة في الاستجابة لتطلعات المجتمع المغربي وتعميق تجربة التنمية المحلية.